
منبرٌ كان من المفترض أن يحمي الحقوق، تحوّل إلى مساحة نفوذ تحت سيطرة القلّة في لبنان، تلعب النقابات دورًا أساسيًا في حماية حقوق العاملين وتحسين ظروفهم، لكن الواقع الحالي يطرح تساؤلات جدّية حول مدى التزامها بهذا الدور. كثير من النقابات باتت أسيرة مجموعة محدودة من الأشخاص، الذين يسيطرون على مجالسها وهيئاتها الإدارية لسنوات طويلة، عبر تحالفات سياسية وطائفية متينة.
يصف المنتسبون هذا المشهد بـ”الاحتكار المقنّع”، حيث يتم إقصاء الوجوه الجديدة والكفاءات المستقلة، مقابل تثبيت قيادات معيّنة لا تتغيّر إلا نادرًا. هذه السيطرة المستمرة لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة شبكة مصالح معقّدة تربط بين بعض القيادات النقابية والأحزاب السياسية، بحيث تصبح النقابة أداة نفوذ بدل أن تكون صوتًا حرًا للعاملين.
ورغم أن القوانين تنظّم عمل النقابات وتفرض انتخابات دورية، فإن الواقع يشهد تعطيلًا متكرّرًا للعملية الانتخابية، أو استبدالها بتعيينات وتسويات خلف الكواليس. في كثير من الأحيان، تسبق الانتخابات مفاوضات مغلقة بين الأطراف النافذة، يتم خلالها توزيع المناصب مسبقًا، ما يجعل النتائج محسومة قبل فتح صناديق الاقتراع.
هذا الواقع يطرح إشكالية أساسية: غياب الشفافية والمساءلة. فلا توجد آليات رقابية حقيقية تضمن تجديد الدماء أو محاسبة القيادات التي تخلّ بواجباتها. والأسوأ، أن هذا النمط من الإدارة يضعف قدرة النقابة على الدفاع عن أعضائها في وجه التحديات المعيشية والمهنية المتفاقمة.
في ظل الأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان، يصبح وجود نقابات فاعلة ومستقلة أمرًا ملحًّا أكثر من أي وقت مضى. لكن ما لم تتحرّر هذه المؤسسات من قبضة النفوذ السياسي، فإنها ستظل مجرّد منصات مغلقة تحمي مصالح القلّة، على حساب حقوق الأغلبية.