يعاني لبنان اليوم من ضائقة اقتصادية خانقة، وفي خضمّ البحث عن مخارج للأزمة، نسمع باستمرار عن خيارين أساسيين تطرحهما السلطة: الاستدانة من صندوق النقد الدولي، أو اللجوء إلى الخصخصة، وكأنهما الحلّان الوحيدان المتاحان.
يُعدّ صندوق النقد الدولي (IMF) مؤسسة مالية دولية تهدف إلى مساعدة الدول على معالجة العجز المؤقت في موازين المدفوعات، عبر تقديم القروض والدعم الفني والخبرات في السياسات الاقتصادية. ورغم أن هذه القروض قد توفّر سيولة سريعة لمواجهة الأزمات، إلا أنها غالبًا ما تُرفق بشروط صارمة لا تتناسب بالضرورة مع أوضاع كل الدول، كرفع الضرائب، وتقليص الإنفاق العام، وفرض إصلاحات قاسية، ما يزيد من الأعباء الاجتماعية ويعمّق أزمة الدين بدل معالجتها.
في المقابل، يُطرح خيار الخصخصة كحلّ بديل، وهي عملية نقل ملكية أو إدارة المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص. ولا شكّ في أن القطاع الخاص قد يمتلك كفاءة أعلى في الإدارة وتحقيق الأرباح وتحسين الخدمات، كما قد يخفف العبء المالي عن الدولة. غير أن هذه الإيجابيات لا تلغي مخاطر جدّية، أبرزها تحكّم منطق الربح بالخدمات الأساسية، ما قد ينعكس سلبًا على المواطنين، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة.
وعند دراسة تجارب الدول التي واجهت أزمات اقتصادية عميقة ونجحت في الخروج منها، وإسقاط هذه التجارب على الحالة اللبنانية، يتبيّن أن المشكلة ليست في غياب “الحلول السحرية”، بل في غياب استراتيجية وطنية واضحة للإنفاق، وافتقار الدولة إلى الشفافية والمحاسبة والمراقبة. من هنا، يصبح اللجوء إلى صندوق النقد أو الخصخصة، في ظل هذه الظروف، خطوة محفوفة بالمخاطر.
فلبنان لا يعاني من فقر في الموارد بقدر ما يعاني من سوء إدارتها. المطلوب اليوم هو البدء بإصلاحات بنيوية حقيقية، على رأسها مكافحة الفساد، واستعادة الأموال المنهوبة، واسترجاع الأموال التي جرى تهريبها، عبر التدقيق الجنائي الشامل للحسابات العامة. كما أن دعم الشركات المحلية، وتعزيز الإنتاج والصناعات الوطنية، والاستثمار في التعليم والتدريب والابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب تحسين البنى التحتية كالكهرباء والطرقات، كفيل بزيادة الإنتاجية وتحفيز النمو ورفع الإيرادات.
ويُعدّ فقدان السيطرة على المؤسسات العامة، خصوصًا تلك المرتبطة بالخدمات الأساسية، أمرًا بالغ الخطورة، لما قد يترتب عليه من تهديد للأمن الوطني أو الأمن المجتمعي، نتيجة خلق فجوات في الخدمات أو احتكارها.
إن وضع استراتيجية وطنية واضحة للإنتاج، وتحديد أهداف وخطط قابلة للتنفيذ، مقرونة بآليات رقابة ومتابعة ضمن إطار زمني محدد، يشكّل ركيزة أساسية لأي نهوض اقتصادي. غير أن تحقيق كل ذلك يبقى مستحيلًا من دون استقلالية القضاء، وإحداث تغيير جذري في مكوّنات العقد الاجتماعي اللبناني، بدءًا بإصلاحات دستورية شاملة تطال مختلف مكونات المجتمع وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن.
