تشكّل الانتخابات اللبنانية للمغتربين محطة مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، لا سيما في بلدٍ يمتلك واحدة من أوسع شبكات الانتشار في العالم. وفي هذا السياق، برزت في الأسابيع الأخيرة معطيات تشير إلى انخفاض عدد اللبنانيين المسجلين للتصويت في فرنسا مقارنة بالسنوات الماضية، ما فتح باب النقاش داخل الجالية حول أسباب هذا التراجع وانعكاساته على التأثير السياسي للمغتربين.
تُعد فرنسا من أبرز دول الانتشار اللبناني في أوروبا، حيث يُقدّر عدد أبناء الجالية بمئات الآلاف، يتمركزون بشكل أساسي في باريس ومدن كمرسيليا وليون. وقد شهدت الانتخابات السابقة إقبالًا لافتًا من الناخبين اللبنانيين في فرنسا، عكس حماسة واضحة للمشاركة في رسم مستقبل بلدهم الأم. غير أن المؤشرات الحالية توحي بتراجع في أعداد المسجلين، ما يطرح تساؤلات متعددة حول الدوافع والخلفيات.
يمكن رصد عدة عوامل قد تفسّر هذا الانخفاض:
الإحباط السياسي العام:
يعيش لبنان منذ سنوات أزمات اقتصادية ومالية غير مسبوقة، إلى جانب انسداد سياسي متكرر. هذا الواقع قد يدفع بعض المغتربين إلى الشعور بأن صوتهم الانتخابي لن يُحدث تغييرًا ملموسًا.
تعقيدات إدارية ولوجستية:
إجراءات التسجيل، المهل الزمنية، ومتطلبات تحديث البيانات قد تشكّل عائقًا أمام بعض الناخبين، خصوصًا من الجيلين الثاني والثالث الذين قد لا يتابعون التفاصيل الإدارية بدقة.
ضعف الحملات التحفيزية:
بالمقارنة مع دورات انتخابية سابقة، قد يكون الحضور الإعلامي والتنظيمي للأحزاب والتيارات السياسية في أوساط الجالية أقل زخمًا، ما ينعكس على نسب التسجيل.
نقاش داخل الجالية
أثار هذا التراجع نقاشًا حيويًا بين أبناء الجالية اللبنانية في فرنسا. فهناك من يرى أن المشاركة تبقى واجبًا وطنيًا وأداة ضغط ديمقراطية يجب عدم التفريط بها، خصوصًا أن أصوات المغتربين باتت تُحتسب ضمن الدوائر الانتخابية في لبنان. في المقابل، يعتبر آخرون أن التأثير الفعلي لا يزال محدودًا في ظل النظام السياسي القائم، وأن التغيير يتطلب إصلاحات أعمق من مجرد الاقتراع.
كما يبرز تساؤل مهم: هل يعكس انخفاض التسجيل تراجعًا في الاهتمام بالشأن اللبناني، أم أنه تعبير عن موقف سياسي احتجاجي صامت؟
التأثير الانتخابي المحتمل
رغم الانخفاض في أعداد المسجلين، تبقى فرنسا من الدول الأساسية في تصويت المغتربين. ففي بعض الدوائر اللبنانية، يمكن لأصوات الخارج أن تلعب دورًا مرجّحًا، خصوصًا في المنافسات المتقاربة. وعليه، فإن أي تغير في حجم المشاركة قد يؤثر في النتائج النهائية، ولو بنسبة محدودة.
إضافة إلى ذلك، تحمل مشاركة المغتربين بُعدًا رمزيًا مهمًا، إذ تعكس استمرار ارتباطهم بلبنان ورغبتهم في التأثير بمساره السياسي، حتى من خارج حدوده.
خاتمة
يبقى تراجع عدد اللبنانيين المسجلين للتصويت في فرنسا مؤشرًا يستحق التوقف عنده، لا من زاوية الأرقام فحسب، بل من حيث دلالاته السياسية والاجتماعية. فهو يطرح أسئلة حول علاقة المغترب بوطنه، ومستوى الثقة بالعملية السياسية، وحدود التأثير الممكن من الخارج. وبين الحماسة والخيبة، يظل صوت المغتربين عنصرًا مهمًا في المعادلة الديمقراطية اللبنانية، يحتاج إلى تعزيز الثقة وتسهيل المشاركة لضمان استمراريته وفاعليته.
