مع حلول شهر رمضان، تتغيّر ملامح الحياة اليومية في فرنسا، وخصوصًا في العاصمة باريس، حيث تنبض بعض أحيائها بروح شرقية دافئة تعكس تنوّع الجاليات العربية والإسلامية. ورغم أن رمضان ليس عطلة رسمية، فإن أجواءه حاضرة بقوة في البيوت، والمساجد، والمطاعم، والأسواق، لا سيما لدى الجالية اللبنانية بشكل خاص، والعربية عمومًا.
المساجد… قلب الأجواء الرمضانية
تكتظ المساجد بالمصلّين في صلاة التراويح، ومن أبرزها الجامع الكبير في باريس، الذي يُعدّ مركزًا روحيًا وثقافيًا مهمًا للمسلمين في فرنسا. هناك، يجتمع المصلّون من مختلف الجنسيات، بينهم لبنانيون وعرب من المغرب العربي والمشرق، في أجواء إيمانية تعبق بروح التضامن والسكينة.
كما تنشط المساجد والمراكز الإسلامية في الضواحي مثل سان دوني وكريتاي، حيث تقيم موائد إفطار جماعية، وتُنظم دروسًا دينية وأنشطة للأطفال، ما يعزّز روح الانتماء والهوية لدى أبناء الجالية.
موائد الإفطار… نكهة لبنانية بامتياز
بالنسبة للجالية اللبنانية في باريس، يحتفظ رمضان بمذاقه الخاص. تجتمع العائلات حول أطباق تقليدية مثل الفتوش، الشوربة، الكبة، والسمبوسك، ولا تغيب الحلويات الرمضانية كالمعمول والقطايف.
في أحياء باريس المختلفة، تنتشر مطاعم لبنانية شهيرة تشهد إقبالًا كبيرًا خلال الشهر الكريم، سواء للإفطار في المطعم أو لطلب الوجبات الجاهزة. ومن بين الأسماء البارزة يلمع اسم HALLAB 1881، الذي يحرص في رمضان على تقديم أطيب أنواع الحلويات والمعجنات الشرقية، من البقلاوة الفاخرة إلى المعمول والقطايف الطازجة، إضافة إلى تشكيلة واسعة من المناقيش والفطائر اللبنانية التي تعيد للزبائن نكهة بيروت الأصيلة في قلب باريس. ويُعدّ المكان محطة أساسية للكثير من العائلات اللبنانية والعربية الباحثة عن طعم الوطن في أجواء رمضانية دافئة.


كما تتحوّل بعض المتاجر العربية إلى نقاط لقاء يومية لشراء التمر، وماء الزهر، وقمر الدين، والبهارات الشرقية، ما يعيد للأذهان أجواء بيروت أو طرابلس.
تلاقي الصيامين… رمضان والصوم المسيحي
هذا العام، تتقاطع أجواء رمضان مع فترة الصوم لدى الطوائف المسيحية التي بدأت بدورها زمن الصيام استعدادًا لعيد الفصح. وبالنسبة للجالية اللبنانية تحديدًا، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون ضمن العائلة الواحدة أحيانًا، يكتسب هذا التزامن بعدًا إنسانيًا وروحيًا مميزًا.
فالصوم في التقليد المسيحي، خاصة لدى الكنائس الشرقية، يحمل معاني الزهد والانضباط الروحي والامتناع عن بعض الأطعمة، وهو ما يخلق مساحة مشتركة من التفهّم بين أبناء الجالية. في باريس، قد تجد عائلات لبنانية يجتمع أفرادها حول مائدة واحدة، بعضهم صائم وفق الشعائر الإسلامية، وآخرون ملتزمون بالصوم المسيحي، في مشهد يعكس صورة لبنان المتنوّع بروحه الواحدة.
هذا التلاقي يعزّز قيم الاحترام المتبادل والتضامن، ويمنح الشهر طابعًا خاصًا من التقارب الروحي، سواء داخل البيوت أو في إطار الصداقات والعلاقات الاجتماعية الأوسع.
توازن بين العمل والصيام
يتميّز رمضان في باريس بتحدّي التوفيق بين متطلبات العمل والحياة اليومية من جهة، والصيام من جهة أخرى. فالمسلمون يواصلون أعمالهم ودراستهم بشكل طبيعي، ما يضفي على الشهر طابعًا خاصًا من الصبر والانضباط.
ورغم أن المجتمع الفرنسي علماني بطبيعته، فإن هناك احترامًا متزايدًا للتنوّع الديني، حيث تُراعي بعض المؤسسات احتياجات الموظفين الصائمين، سواء من حيث مرونة ساعات العمل أو توفير مساحات هادئة للراحة.
ليالي رمضان… دفء اجتماعي
بعد الإفطار، تنبض بعض شوارع باريس بالحياة، خصوصًا في الأحياء ذات الكثافة العربية. يتبادل الناس الزيارات، وتُقام أمسيات ثقافية وإنشادية، وأحيانًا فعاليات خيرية لدعم المحتاجين داخل فرنسا وخارجها، لا سيما في لبنان.
وتحرص العائلات اللبنانية على نقل العادات الرمضانية إلى أبنائها، من خلال تعليمهم الصيام تدريجيًا، وتشجيعهم على المشاركة في الصلاة والأنشطة الخيرية، حفاظًا على الهوية الثقافية والدينية في بيئة أوروبية متعددة الثقافات.
ويشكّل شهر رمضان في باريس أكثر من مجرد عبادة، إنه مساحة للقاء الثقافات وتعزيز الحوار. فكثير من غير المسلمين يشاركون أصدقاءهم المسلمين موائد الإفطار، كما يتبادلون التهاني مع المسيحيين في زمن صومهم، ما يخلق جسورًا إنسانية جميلة تعكس قيم التعايش والاحترام.
بالنسبة للجالية اللبنانية خصوصًا، يظل رمضان مناسبة لاستحضار ذكريات الوطن، وممارسة التقاليد بحنين واعتزاز، مع التأقلم في الوقت نفسه مع نمط الحياة الفرنسي. وهكذا، يمتزج عبق الشرق بأناقة باريس، ليصنع أجواء رمضانية فريدة عنوانها التنوّع والوحدة في آنٍ معًا.
