ليس الاغتراب عند أبناء لبنان مجرد انتقالٍ من بلدٍ إلى آخر، بل هو اقتلاعٌ هادئ من تفاصيل صغيرة كانت تشكّل معنى الحياة. وفي رمضان، يصبح هذا الاقتلاع أكثر وجعًا.. وأكثر وضوحًا.
في فرنسا، حيث تتلألأ شوارع باريس بأضواء المساء، يجلس اللبناني إلى مائدة إفطار مرتبة بعناية، صامتة أكثر مما ينبغي. يرفع عينيه نحو الساعة، ينتظر الأذان عبر تطبيقٍ بارد الصوت، بينما في داخله تعلو أصوات أخرى.. أصوات بيتٍ بعيد.
يشتاق إلى الضجيج، إلى تلك الفوضى الجميلة حول الطاولة في بيروت، طرابلس، صيدا أو البقاع. إلى صوت الأم وهي تقول: “تعوا يا ولاد ساعدوني بالمطبخ”، إلى الأب الذي يبدأ بالدعاء بصوتٍ متهدّج، وإلى الأخ الذي يتذمّر من تأخر الشوربة، وإلى الضحكات التي تختلط برائحة الخبز الساخن. كان يظنّ أن الضجيج تعب… فاكتشف في الغربة أنه أمان.
رمضان في الاغتراب ليس جوعًا للطعام، بل جوعٌ للوجوه. ليس عطشًا للماء، بل عطشٌ لصوتٍ يناديك باسمك كما كانت تفعل أمك من آخر المطبخ. هو انتظارٌ مضاعف: انتظار الأذان… وانتظار أن تعود.
اللبناني أينما ذهب يحمل وطنه في قلبه، لكن في رمضان تحديدًا، ينكشف هذا القلب. يتّسع للحنين حتى يكاد يضيق به صدره. يحاول أن يعيد خلق المشهد: يضع الفتوش كما كانت تضعه أمه، يشغّل تلاوةً تشبه صوت المسجد في الحي، يدعو أصدقاءه من أبناء الجالية، يضحك بصوتٍ عالٍ… كأنه يعاند الصمت.
ومع ذلك، يبقى هناك مقعد فارغ في روحه.
مقعد على طاولة قديمة في بيتٍ لبناني، تطل شرفته على بحرٍ يعرف اسمه، أو على جبلٍ حفظ خطوات طفولته. مقعد لا يملؤه أحد، لأنه ليس مكانًا فحسب… بل ذاكرة، وهوية، وانتماء.
وفي اللحظة التي يرفع فيها يديه بالدعاء عند الإفطار، لا يطلب الكثير. فقط أن تبقى العائلة بخير. أن يبقى البيت قائمًا. أن يعود يومًا، ولو لرمضانٍ واحد، يسمع فيه الضجيج الحقيقي… لا عبر شاشة هاتف، بل وهو جالس بينهم، يمد يده للتمر، ويبتسم لأنه عاد.

