مرة جديدة، تمارس السلطة لعبتها المكشوفة:
تُعلن زيادة رواتب للمتقاعدين والعسكريين، وكأنها إنجاز تاريخي… ثم، بهدوءٍ تام، ترفع أسعار البنزين والمشتقات، وتفتح الباب أمام موجة غلاء تلتهم الأخضر واليابس.
أي منطق هذا؟
ما قيمة أي زيادة إذا كانت ستتبخر فوراً عند أول محطة وقود؟
ما جدوى تحسين الراتب إذا كان النقل سيغلى، والسلع سترتفع، والمولدات ستزيد تسعيرتها، والكهرباء والمياه على الطريق؟
الحقيقة واضحة:
الدولة لا تموّل الزيادات من إصلاح حقيقي، ولا من وقف الهدر، ولا من استعادة الأموال المنهوبة.
بل تموّلها من جيب المواطن نفسه.
تعطي العسكري المتقاعد زيادة…
ثم تستردها منه ومن غيره عبر البنزين، والخبز، والسوبرماركت، والدواء.
هذه ليست سياسة اجتماعية.
هذه عملية تدوير للمال داخل جيب المواطن.
رفع المحروقات يعني تلقائياً رفع كل شيء.
في لبنان، البنزين ليس مجرد مادة… هو محرّك الأسعار بالكامل.
وعندما يرتفع، ترتفع معه كلفة النقل، وكلفة الإنتاج، وكلفة التبريد، وكلفة كل سلعة.
فمن يراقب الأسواق؟
من يحاسب التجار الذين يستغلون كل قرار لفرض زيادات عشوائية؟
ومن يحمي المواطن من أن تتحول “الزيادة” إلى نكتة سمجة؟
الواقع أن الحكومة تمارس سياسة ترقيع قصيرة النظر:
ترضية فئة بقرار سريع، ثم تحميل الكلفة لكل الشعب.
إذا كانت الدولة جادة في تحسين أوضاع الناس،
فلتبدأ بضبط الأسعار،
ولتفرض رقابة فعلية على الأسواق،
ولتوقف النزف في مؤسساتها قبل أن تمد يدها إلى جيب المواطن.
أما أن ترفع الرواتب وتترك الأسعار تنفلت بلا سقف،
فهذا ليس إصلاحاً…
بل إعادة إنتاج للأزمة بطريقة أكثر قسوة.
المواطن لم يعد يصفّق لأي زيادة.
لأنه يعرف جيداً أن ما يدخل جيبه اليوم،
سيخرج مضاعفاً غداً.
