يقدّم كتاب سيرة الدكتور عدنان البكري شهادة حيّة على مسيرة رجل لم يكتفِ بأن يكون طبيبًا ناجحًا، بل اختار أن يعيد تعريف دور الطبيب في عصر تتسارع فيه التحولات العلمية والتكنولوجية. هذه السيرة، التي كتبها الصحفي الفرنسي Yoann Laurent-Rouault، ليست مجرد توثيق لمحطات مهنية، بل رحلة فكرية وإنسانية تكشف كيف يمكن للإرادة أن تصنع قدرها.
ينطلق الكتاب من جذور البكري في مدينة طرابلس اللبنانية، حيث تشكّل وعيه الأول وحلمه الكبير. ومن هناك تبدأ رحلة الانتقال إلى فرنسا، بين مرسيليا وريمس، حيث صقل علمه وخبرته، وتكوّنت شخصيته المهنية. لكن السيرة لا تسرد الأحداث بوصفها إنجازات متتالية فحسب، بل تكشف الخلفيات النفسية والقرارات الجريئة التي رافقت كل مرحلة.
أحد أهم محاور الكتاب هو رؤيته لطبٍّ جديد، طبٍّ يستفيد من الذكاء الاصطناعي ويعيد للإنسان مكانته في قلب المنظومة الصحية. فالدكتور البكري لا يرى في التكنولوجيا بديلاً عن الطبيب، بل أداة لتمكينه وتحريره من القيود البيروقراطية، ليعود التركيز إلى جوهر المهنة: العناية بالإنسان. ومن خلال هذا الطرح، يتحول الكتاب إلى دفاع واضح عن ضرورة إصلاح الأنظمة الصحية ومواكبتها لعصرها.
غير أن البعد الأكثر تأثيرًا في السيرة هو الجانب الإنساني. خلف الجراح ورجل الأعمال والباحث، يبرز الطفل الحالم الذي لم يفقد دهشته الأولى، والذي ما زال يؤمن بأن السماء ليست حدًا للطموح. يبرز الكاتب هذا التوازن بين العقل العلمي الصارم والقلب الإنساني الشغوف، في صورة رجل يجمع بين الطموح الشخصي والمسؤولية الاجتماعية.
أسلوب السرد يمزج بين الذكريات والحوارات والتحليل، ما يمنح النص حيوية وعمقًا. فلا يشعر القارئ بأنه أمام سيرة تقليدية، بل أمام عمل أدبي يعكس تعقيد الشخصية وتعدد أبعادها.
في النهاية، يمكن القول إن كتاب سيرة الدكتور عدنان البكري هو أكثر من قصة نجاح؛ إنه دعوة إلى التفكير في معنى الرسالة، وفي قدرة الإنسان على تجاوز الظروف وصناعة تأثير يتجاوز ذاته. إنها حكاية طبيب لم يرضَ بأن يعالج الأجساد فقط، بل أراد أن يداوي النظام نفسه.
