Screenshot
في صباحٍ باريسيّ بارد، قد تمرّ بجانب مقهى صغير تفوح منه رائحة القهوة المحمّصة، فتسمع فجأةً كلمة “تكرم عيونك” تتسلّل بين الفرنسية الرشيقة. هناك، في زاوية دافئة من مدينة مثل باريس، يعيش لبنان بصيغةٍ أخرى؛ لا كبلدٍ على الخريطة، بل كذاكرةٍ تمشي على قدمين.
الجالية اللبنانية في فرنسا ليست مجرد أرقامٍ في سجلات الهجرة، بل قصص عائلات حملت مفاتيح بيوتها القديمة، وصور القرى، وشيئًا من تراب الجبل في حقائب السفر. جاءت تبحث عن فرصة، عن علم، عن أمان… لكنها لم تغادر روحها خلفها.
ذاكرة تسافر ولا تغيب
في بيوت اللبنانيين هنا، تمتزج رائحة المناقيش بصوت نشرات الأخبار القادمة من بيروت. الأمّ التي تعلّمت الفرنسية بطلاقة ما زالت تصرّ أن توبّخ أبناءها بالعربية، كأن اللغة حبل نجاةٍ سريّ يربطهم بالجذور. والجدّ الذي يجلس قرب النافذة، يتابع المطر وهو يهمس: “يشبه شتاء ضيعتي”.
الأجيال الجديدة تعيش بين عالمين؛ تكتب واجباتها المدرسية بالفرنسية، وتحلم أحيانًا بالعربية. تحفظ النشيد الفرنسي، لكنها تعرف جيدًا معنى الأرزة المرسومة على العلم اللبناني. إنها هوية مزدوجة، لا تنقسم بل تتسع.
بين استقرارٍ نسبي وقلقٍ دائم
رغم أن كثيرين من أبناء الجالية وجدوا في فرنسا استقرارًا مهنيًا ومعيشيًا، فإن قلوبهم تبقى معلّقة بأحوال أهلهم في لبنان. غلاء المعيشة في أوروبا يفرض تحدياته اليومية من إيجارات مرتفعة وضرائب وضغوط العمل، لكن العبء الأكبر يبقى نفسيًا؛ شعور دائم بالمسؤولية تجاه عائلة هناك تعاني أزمات متلاحقة.
كثيرون يقتطعون جزءًا من دخلهم شهريًا لدعم أهلهم، فيصبح الراتب موزّعًا بين ضفتين. وحين تقترب الانتخابات اللبنانية، يتبدّل إيقاع الأحاديث في البيوت والمقاهي. النقاشات تحتدم، الآمال ترتفع، والقلق يتجدد. ينتظرون الاستحقاق الانتخابي كما يُنتظر فجرٌ بعد ليلٍ طويل؛ بعضهم يراه فرصة للتغيير، وآخرون يخشون خيبةً جديدة. لكن الجميع يتفق على أمر واحد: صوتهم في صناديق الاقتراع هو خيطٌ أخير يربطهم بإمكانية الإصلاح.
حضور يشبه الضوء
في شوارع مرسيليا، حيث البحر يذكّر بمتوسطٍ آخر، ترك اللبنانيون بصمتهم في التجارة والمطاعم والثقافة. وفي ليون وتولوز، تتكاثر المبادرات الثقافية التي تجمع بين الدبكة والجاز، بين القصيدة العربية والمسرح الأوروبي.
ليس الحضور صاخبًا، بل عميق. يشبه جذور الأرز؛ لا تُرى كلها، لكنها تمسك الأرض جيدًا.
الحنين… ذلك المقيم الدائم
اللبناني في الاغتراب يعيش حالة خاصة من الحنين. هو لا يقطع علاقته بالوطن، بل يعيد تشكيلها. يتابع تفاصيل السياسة كما لو كان في قلب العاصمة، يقلق، يغضب، يأمل. يرسل الدعم لعائلته، ويحلم بيوم يعود فيه ليبني بيتًا أو يزرع شجرة.
بين الأرز ونهر السين، تتكوّن حكاية مستمرة. حكاية شعبٍ صغير في حجمه، كبيرٍ في انتشاره، يعرف كيف يحمل وطنه في قلبه أينما ذهب.
وربما هذا هو سرّ اللبناني:
أنه لا يهاجر كاملًا…
يترك جزءًا منه هناك،
ويزرع جزءًا منه هنا.
