وسط النار والدمار، تبقى وحدة اللبنانيين الحصن الأقوى..
في كل مرة تشتعل فيها الحرب على أرض لبنان، لا تكون النيران وحدها هي التي تنتشر، بل تمتد معها حكايات النزوح والقلق والانتظار. يترك الناس بيوتهم على عجل، يحملون ما استطاعوا من ذكريات وصور وأمل، ويسيرون نحو أماكن أكثر أمانًا. لكن الحقيقة التي تتكرر دائمًا أن النزوح في لبنان لا يفرّق بين طائفة وأخرى، ولا بين منطقة وأخرى؛ فالخطر عندما يأتي، يأتي للجميع.
النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو اقتلاع مؤلم من الأرض التي تعلّق بها الإنسان. بيتٌ ترك خلفه، شجرةٌ زرعها بيديه، شارعٌ يعرفه حجراً حجراً. كل ذلك يصبح فجأة ذكرى مؤجلة إلى حين عودةٍ يرجوها الجميع.
وفي خضم هذه المعاناة، تظهر حقيقة لبنان التي يعرفها أهله جيدًا: اللبنانيون مهما اختلفت طوائفهم ومعتقداتهم، يجتمعون عندما تشتد الأزمات. في لحظات الخوف، تفتح البيوت أبوابها للنازحين، وتتحول القرى والمدن إلى مساحة تضامن إنساني. لا يُسأل النازح عن طائفته بقدر ما يُسأل: هل أنت بخير؟ هل تحتاج إلى مساعدة؟
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الجهات تسعى أحيانًا إلى استغلال الأزمات لإشعال الفتن وزرع الانقسام بين اللبنانيين. قد تُنشر كلمات أو إشاعات أو خطابات هدفها إثارة الشكوك بين أبناء الوطن الواحد. لذلك يصبح الوعي ضرورة، والانتباه واجبًا، حتى لا يقع الناس في فخ الفتنة التي لا تخدم إلا أعداء الاستقرار. فلبنان يحتاج في هذه اللحظات إلى الحكمة والتماسك أكثر من أي وقت مضى.
وفي الوقت نفسه، تبرز صورة مشرقة من التضامن والإنسانية. فهناك الكثير من فاعلي الخير داخل لبنان وخارجه الذين يبادرون إلى مدّ يد العون لإخوتهم في الوطن. تُجمع التبرعات، وتُرسل المساعدات الغذائية والطبية، وتُفتح المراكز لاستقبال النازحين. هذه المبادرات الإنسانية تعكس روح التعاضد التي تميّز المجتمع اللبناني، وتؤكد أن الخير ما زال حاضرًا رغم قسوة الظروف.
إن أخطر ما يمكن أن يرافق الحروب ليس القصف وحده، بل الكلمات التي قد تزرع الفتنة بين الناس. لذلك يصبح واجبًا على الجميع أن يتجنبوا النعرات الطائفية أو الخطابات التي تفرّق بين أبناء الوطن الواحد. فلبنان لم يُبنَ بطائفة واحدة، بل بتنوعه الذي شكّل هويته عبر التاريخ.
الحرب عدوة الجميع، والنازح ليس رقمًا في الأخبار، بل إنسان له قصة وعائلة وأحلام مؤجلة. وعندما نتذكر أن الألم واحد، يصبح التعاطف أسهل، وتصبح الوحدة ضرورة لا خيارًا.
ربما تختلف الأسماء والقرى والانتماءات، لكن الحقيقة تبقى ثابتة: اللبنانيون في النهاية بشر تجمعهم الأرض نفسها والسماء نفسها. قد تفرّقهم الطرق مؤقتًا بسبب الحرب، لكنهم يلتقون دائمًا في إنسانيتهم.
وفي زمن النزوح، يصبح أجمل ما يمكن أن نتمسك به هو هذه الحقيقة البسيطة: أن الوطن لا يُقاس فقط بحدوده الجغرافية، بل بقلوب أهله عندما يقفون معًا في وجه الألم. ففي النهاية، ما يجمع اللبنانيين أكبر بكثير من أي شيء يمكن أن يفرقهم، والوعي والوحدة هما الطريق لحماية الوطن من الحرب ومن الفتنة معًا.

مقال جميل يعكس بمهارة إنسانية معاناة اللبنانيين وقوة وحدتهم في الأزمات. كما يذكّرنا بأن لبنان ليس وحده، فالتضامن العربي حاضر دائمًا، وخصوصًا من مصر التي تقف إلى جانب أشقائها في هذه الظروف. تحية للكاتب على هذا الطرح الواعي والإنساني.