في مشهد يختصر إرادة الحياة في مواجهة الحرب والخوف، أعلنت رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى – الكونسرفتوار، المؤلفة الموسيقية الدكتورة هبة القواس، عودة الأمسيات الموسيقية بوصفها فعلاً حضارياً وثقافياً يرفض الاستسلام للركام والموت.
واعتلت القواس المسرح في الكنيسة الإنجيلية الأرمنية لتفتتح الأمسية بكلمة وجدانية مؤثرة، لخّصت فيها صراع البقاء والثقافة في مواجهة الحروب والوحشية، مؤكدة أن الإبداع اللبناني يبقى سلاحاً للدفاع عن الإنسان والوطن. وفي تعبير عميق عن دور الفن في زمن الأزمات، شبّهت الموسيقي بالجندي في الميدان، قائلة:
«كما أن الجندي اللبناني لا يُنزل بندقيته في الحرب، كذلك الموسيقي لا يُنزل آلته»،
معلنة عودة الأمسيات الموسيقية كرسالة أمل ومقاومة حضارية تنتصر للحياة والجمال.
بعدها، اعتلى المايسترو كريم سعيد منصة قيادة الأوركسترا، بدعوة من الدكتورة هبة القواس، في أمسية حملت أبعاداً فنية وإنسانية لافتة. ومع انسياب النوتة الموسيقية، بدا سعيد جزءاً من اللحن ذاته؛ جسده يتحرك بتناغم مع الإيقاع، ويداه ترسمان لغة تُرى قبل أن تُسمع، فيما تحولت عصاه إلى جسر بين الورق والروح.
وينتمي كريم سعيد إلى جيل مميز من الموسيقيين الذين لا يفصلون بين الفكر والصوت، ولا بين العزف والقيادة، بل يجعلون من الموسيقى مساحة للإصغاء العميق والمعرفة الحية. وهو موسيقي لبناني – بريطاني، حملته مسيرته إلى أبرز المسارح العالمية، من BBC Proms وباربيكان إلى لا سكالا، وبرلين، وموسكو، وسالزبورغ، وكارنيغي هول، متعاوناً مع كبار الفنانين وقادة الأوركسترا في العالم.
أما حضوره في لبنان، فيتجاوز حدود الحفل الفني، إذ يشغل موقع Artist in Residence في المعهد الوطني العالي للموسيقى والأوركسترات الوطنية، إلى جانب قيادته أوركسترا الشباب الوطنية اللبنانية، ناقلاً إلى الجيل الجديد خبرة عالمية ورؤية تؤمن بأن بناء الموسيقي لا يرتكز على التقنية وحدها، بل على تنمية السمع والوعي والمسؤولية الفنية.
وهكذا، شكّل حضور كريم سعيد جسراً بين الموهبة اللبنانية والمعيار العالمي، وبين الذاكرة الموسيقية العريقة ومستقبل يصوغه الشباب على إيقاع الجمال، في أمسية أكدت أن الموسيقى في لبنان ليست ترفاً، بل فعل بقاء وإيمان بالحياة.



