عند الشدائد تظهر معادن الناس، هكذا يقول المثل، ولا تكاد توجد شدّة تكشف حقيقة البشر كما تفعل الحروب. ففي زمن الدمار والقتل والنزوح، تسقط الأقنعة وتنكشف النفوس على حقيقتها، لتظهر أجمل صور الإنسانية من جهة، وأسوأ أشكال الأنانية والجشع من جهة أخرى.
إنها مشاهد تختصر وجع الأوطان: عائلات اقتُلعت من بيوتها قسراً، أطفال رُسم الخوف على وجوههم، نساء وشيوخ حملوا ما استطاعوا من ذكرياتهم وغادروا نحو المجهول، تاركين خلفهم منازلهم وأرزاقهم وأحلامهم. يسيرون في نفقٍ مظلم لا يعرفون له نهاية، باحثين فقط عن مكان آمن يقيهم الموت.
وفي تلك اللحظات العصيبة، لا يخطر في بال الإنسان سوى الأشخاص الذين يثق بهم. أقارب، أصدقاء، جيران أو معارف، يعتقد أنهم سيكونون السند والعون في زمن المحنة. فيطرق أبوابهم مستنداً إلى روابط المحبة والنخوة والثقة التي ظنّ أنها لا تهتز.
يكون الاستقبال في البداية حافلاً بالترحيب والمواساة، لكن سرعان ما تتبدل الأحوال. تتغير الوجوه، وتظهر طباع لم تكن معروفة من قبل، وتتسلل التوترات إلى النفوس. يحاول المرء أن يجد الأعذار؛ ربما ضغط الحرب، وربما الخوف أو القلق أو ضيق المكان. إلا أن الحقيقة التي يرفض الكثيرون الاعتراف بها تفرض نفسها في النهاية: الحروب تضع الجميع تحت ضغط هائل، وعندما تجتمع العائلات في ظروف استثنائية، تنشأ مشكلات قد تكون كبيرة أو تافهة، لكنها تترك آثاراً مؤلمة.
ولطالما شاهدنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي نماذج مؤسفة لخلافات نشبت بين نازحين ومستضيفين، وصلت أحياناً إلى الشتائم والتراشق والقطيعة، بل وحتى إلى العنف. عندها يكتشف الإنسان أن بعض الصور التي رسمها في مخيلته عن أشخاص أحبهم ووثق بهم لم تكن كما ظن.
فيجد نفسه مضطراً إلى الرحيل مجدداً، حاملاً ما تبقى من أغراضه وعائلته، ليواجه خياراً آخر لا يقل قسوة: وحش إيجارات المناطق الآمنة.
وحش الإيجارات
إذا كانت الحرب وحشاً يطارد الناس بالقذائف والنار، فإن جشع بعض المستغلين يتحول إلى وحش آخر يطاردهم بالفقر والعجز.
ففي المناطق الآمنة، ارتفعت الإيجارات بشكل جنوني، وبات بعض السماسرة وأصحاب العقارات يتعاملون مع مآسي الناس كفرصة لتحقيق الأرباح. غرفة صغيرة كانت تُستخدم لتخزين الأغراض أصبحت تُعرض بمئات الدولارات شهرياً، مع طلب أشهر عدة مقدماً وعمولات إضافية، وكأن النازحين لم يفقدوا ما يكفي من ممتلكاتهم وأرزاقهم.
تحولت المساكن إلى ما يشبه أسهم البورصة؛ ترتفع أسعارها مع تصاعد التوترات الأمنية، وتنخفض مع هدوء الأوضاع. أما الضحية دائماً فهي تلك العائلات التي خرجت من بيوتها على عجل، لا تحمل معها سوى بعض الثياب والأوراق الثبوتية وأملٍ ضئيل بالنجاة.
إنها لحظة لا يمكن وصفها إلا لمن عاشها. لحظة يلتفت فيها الإنسان إلى أركان منزله بنظرة يظن أنها الأخيرة. يمر بعينيه على الجدران والصور والذكريات، يشعر بانقباض في قلبه، ثم يلتقط محفظته ومفاتيحه وأوراقه الشخصية، ويتأكد من سلامة أفراد عائلته قبل أن ينطلق بهم نحو مصير مجهول.
لهؤلاء نقول: ارحموا من هربوا من الموت. لا تجعلوا من معاناتهم تجارة، ولا من خوفهم فرصة للربح. فالإنسانية الحقيقية تظهر عندما نساعد المحتاج، لا عندما نستغل ضعفه. وهذا ما دعت إليه جميع الأديان والقيم الأخلاقية والإنسانية.
وفي الختام، يبقى الدعاء للبنان الحبيب أن يتجاوز محنه وأزماته، وأن يتوقف العدوان والدمار الذي يهدد أرضه وشعبه، وأن يعود وطناً للحياة والأمل كما عرفناه دائماً. حفظ الله لبنان وأهله، وحمى شعبه الطيب الذي أثبت في أصعب الظروف أنه قادر على الصمود
