في مستهل حديثه قال:
لا نتحدث عن بيروت كعاصمة فحسب، بل عن مدينة تختصر في ذاكرتها حكاية وطن، إن تاريخ بيروت لا تختصره حجارتها ومبانيها وشوارعها، بل قبل كل شيء، تاريخ الناس الذين عاشوا فيها، وأسهموا في بناء هويتها، وجعلوا منها ساحة لقاء بين الثقافات والأديان والأفكار.
وتكمن أهمية تجربة بيروت في أنها تكشف إمكانات الاجتماع بين المختلفين، كما تكشف المخاطر التي تهدد هذا الاجتماع عندما تتقدم العصبيات والمصالح الضيقة على المصلحة العامة. من هنا تنبع خصوصية بيروت من تعددها، ومن قدرتها على جمع جماعات مختلفة، تتفاعل في مختلف الميادين، وإن هذا التفاعل لم يحدث من فراغ، بل تكوّن عبر عصور مختلفة، أدخلت المدينة في شبكات واسعة من العلاقات، وأسهمت في تشكيل جانب من هويتها وذاكرتها. ومن أبرز ملامح هذه الذاكرة الحضور المسيحي والإسلامي، الذي تكوّن عبر مراحل تاريخية متلاحقة، وأصبح جزءًا أساسيًا من نسيج المدينة.
إن أهمية هذا لا تكمن في تعداد الطوائف التي سكنت بيروت، بل في فهم العلاقات التي ربطت بينها، إن وجود جماعات متنوعة في المكان نفسه لا يكفي لبناء العيش الواحد، بل إن العيش الواحد يتكوّن حين يبني الناس مصالح عامة تتجاوز انتماءاتهم الخاصة، من دون أن يُطلب منهم التخلي عن معتقداتهم أو ذاكرتهم أو خصوصيتهم الثقافية. في هذا المعنى لا يكون المسيحي ضيفًا على تاريخ المسلمين في بيروت، ولا يكون المسلم ضيفًا على تاريخ المسيحيين فيها، فكلاهما جزء أساسي من تاريخ المدينة، وشريك في صياغة حاضرها ومستقبلها.
إن اعتماد الانتماء الطائفي أساسًا لتوزيع السلطة هو إشكالية حاضرة في حياتنا الوطنية، والسؤال: كيف نضمن مشاركة كل المكونات في الدولة من دون أن نحول الدولة إلى مجموعة متنافسة على الحصص، وكيف نصون التعددية، من دون أن نكرّس الانقسام؟ وهذا يأخذنا إلى السؤال الأساسي: ما الفرق بين مجرد التعايش بين الطوائف، وبين العيش الواحد القائم على المواطنة؟ قد يتيح التعايش إدارة الاختلاف وتنظيم العلاقات، أما المواطنة، فتؤسس لعلاقة مباشرة بين الإنسان والدولة، قوامها الحقوق والواجبات والمساواة. في ظل المواطنة، يكون لكل فرد الحق في العيش بكرامة، وأن يعمل ويتعلم ويعبّر عن رأيه ويشارك في القرار العام، من دون تمييز بسبب دينه أو طائفته أو موقفه السياسي. إن تحقيق ذلك يقتضي منا الالتزام بما يلي:
المساواة أمام القانون.
حماية الحرية الدينية والفكرية.
تقوية المؤسسات العامة.
تحقيق العدالة الاجتماعية.
إن وصف بيروت بأنها مدينة المواطنة والعيش الواحد هو مشروع لا بد أن نعمل جميعًا على تحقيقه، ومعيار نقيس به واقعنا، ونفهم من خلاله إخفاقاتنا، ونحدد ما تحتاج إليه مدينتنا كي تستعيد دورها فضاءً مدنيًا مشتركًا. وهذا يتطلب مؤسسات عادلة، وإدارة شفافة، وقضاءً مستقلًا، وخدمات عامة متكافئة. كما يتطلب انتقالًا في الممارسة السياسية من منطق المحاصصة إلى منطق المصلحة العامة والمسؤولية المشتركة.
نريد بيروت مدينة تلتقي فيها المآذن وأجراس الكنائس، كما يلتقي سكانها في المدرسة والجامعة والعمل والحي، ويتقاسمون مسؤولية حاضرهم ويصنعون معًا غدهم.
إنها مسؤوليتنا: أن ننتقل لبيروت من مدينة تتقاسمها الطوائف، إلى مدينة يتشارك أهلها في صونها وبناء غدها.


