في زمنٍ يَظهر فيه لبنان في الأخبار بوصفه بلداً للأزمات والانهيارات، جاء مهرجان “Étonnants Voyageurs” في مدينة Saint-Malo الفرنسية ليقدّم صورة مختلفة تماماً: لبنان الثقافة، والأدب، والموسيقى، والفن، والقدرة المستمرة على إنتاج الحياة رغم كل شيء.
فمن 23 إلى 25 أيار، حلّ لبنان ضيف شرف على الدورة السادسة والثلاثين من المهرجان، في حضور عدد كبير من الكتّاب والفنانين والمثقفين اللبنانيين الذين حملوا معهم إلى فرنسا وجهاً آخر لهذا البلد؛ وجهاً لا تُلخّصه السياسة، ولا تختصره الأزمات الاقتصادية.
هذا الحضور اللبناني لم يكن مجرد مشاركة ثقافية عابرة، بل رسالة واضحة بأن لبنان، رغم الانهيار الذي يعيشه منذ سنوات، ما زال يمتلك واحدة من أهم نقاط قوته: قوته الثقافية.
فالثقافة اللبنانية أثبتت، مرة جديدة، أنها ليست ترفاً، بل وسيلة صمود حقيقية. هي المساحة التي يحافظ من خلالها اللبنانيون على هويتهم، وعلى قدرتهم في التعبير والإبداع، حتى في أصعب الظروف.
في سان مالو، اجتمع الأدب بالموسيقى، والسينما بالشعر، والنقاشات الفكرية بالتجارب الإنسانية. وكان واضحاً أن الاهتمام الفرنسي بلبنان لا يزال يتجاوز السياسة إلى الإيمان بدور هذا البلد الثقافي في المنطقة والعالم الفرنكوفوني.
وربما تكمن المفارقة هنا:
ففي وقتٍ تتراجع فيه مؤسسات الدولة، وتزداد الهجرة، وتضيق الحياة اليومية على اللبنانيين، تستمر الثقافة اللبنانية في العبور إلى الخارج، حاملةً معها صورة بلدٍ لا يزال يقاوم عبر الفن والكلمة والجمال.
إن ما شهده مهرجان Saint-Malo لا يمكن قراءته فقط كحدث ثقافي، بل كدليل على أن لبنان ما زال قادراً على الحضور والتأثير، ليس بالقوة السياسية أو الاقتصادية، بل بما يملكه من إرث فكري وفني وإنساني.
ولهذا، تبدو الثقافة اليوم أكثر من مجرد نشاط إبداعي في لبنان؛ إنها فعل بقاء، ووسيلة مقاومة هادئة، ورسالة تقول إن هذا البلد، مهما اشتدت أزماته، لم يفقد صوته بعد.


