نشهد هذه الايام وخصوصا في ظل الحرب الدولية القائمة في الشرق الاوسط تناقضا نافرا في التصريحات السياسية اليومية للمسؤولين لم نعهده من قبل… اذ تجد موقفين متتاليين متناقضين كليا وراء بعضهما في نفس سياق الحديث… فتجده يقول: “سنقتل وندمر ونبيد”.. وفي جملة تليها تجده يقول: “من الممكن جدا اجراء اتفاقا يكون فيه خير البلدين”… وفي الجهة المقابلة أيضا تصريحات لا تقل عن مثيلتها..
فأصبح المتابع في ضياع لايفهم شيئا حتى المحللين السياسيين لا يستطيعون بناء تحليلاتهم على هكذا مواقف فتارة يكون الهجوم والابادة هو الجو السائد وتاليا يكون الاتفاق سيد الموقف.
هذا الاسلوب الجديد الغريب ما هو الا ضغوط نفسية على مواطني العدو وعلى سياسييه وقادته. وهذا التضارب في التصريحات له التأثير الأكبر على الشعب حتى تجعله في ضياع وعدم استقرار فكري ليتم من خلاله تحقيق الغاية التي يسعى للوصول اليها وهي التأثير وبث الرعب وتخويف هذا الشعب لعل البلبلة ضمن العامة من الناس تجعل العدو في اختلال داخلي ممكن الاستفادة منه ام بالضغوط السياسية او الضغوط العسكرية…
فهذه التصريحات ليست إلا حرب توازي الحرب العسكرية بل وتتفوق عليها فيتبعها الطرفان المتنازعان للتأثير على رأي العام الاخر والتأثير الاقتصادي على الاسواق المالية او الضغوط النفطية العالمية ام للارتفاع او للانخفاض.
لم نعهد هكذا خطاب سياسي من قبل فكانت الحروب تقام بالاخلاقيات السياسية والتصريحات الثابتة تأتي من قادة على قدر المسؤولية التي يتحملون بها عبأ الحروب ام التي تفرض عليهم او التي يقومون بها ويكون هاجسهم الاكبر تحييد قدر الامكان من الضحايا والابرياء ويكونون قادة مواقف يذكرهم التاريخ. بينما هذه الحرب مغايرة تماما فلا يهمها لا تاريخ ولا جغرافيا ولا حتى ابرياء وضحايا. قادة لا يهمهم سوى تصريحات كالمنازلات في حلبة المصارعة وما تحويها من تهديد للخصم ووعيد والتوعد بهزيمته شر هزيمة.
حتى اننا رأينا في الكثير من الاوقات أن اي استهداف لشخصية قيادية عسكرية يتم تدمير وقتل كل من يتواجد حوالى “هذا الهدف” غير آبهين بالمدنيين من الاطفال والنساء. حتى اننا شهدنا على قصف مدرسة تم استشهاد فيها اكثر من ٩٠ بنت لمجرد الاستهداف. ماعادت الادبيات ولا الاخلاقيات العسكرية كما كانت من خلال تحييد الابرياء غير آبهين لا بقانون دولي ولا لمجلس أمن ولا حتى لأحد على وجه هذه البسيطة.
حتى اعلامنا العربي يعيش انفصاما اعلاميا غريبا على الشاشات وفي نفس المنطقة فكل شاشة تصور لك وتظهر لك مشهدا مغايرا لنفس الخبر ولنفس الحدث. حتى التصريحات تتغير ويتم في كل محطة من تسليط الضوء على التصريح الذي يخدم نهجها وتطلعاتها السياسية. لم نعد نرى المهنية الاعلامية المتعلقة بالضمير الاعلامي الذي ينقل الحقيقة كم هي…
فالسؤال يبقى: “أهو أسلوب اعلامي جديد.. ام غباء واستعلاء؟”
