الشعر الأبيض ليس دائمًا دليلًا على التقدّم في العمر، فهناك أشخاص بدأ الشيب يزور رؤوسهم منذ العشرينات، وأنا واحد منهم. يومًا بعد يوم، صار الأبيض يتسلّل بين الخصلات السوداء وكأنه يحتلّ الأراضي بالتقسيط المريح، حتى أصبح شعري اليوم خليطًا بين الأسود والأبيض… نسخة بشرية من القهوة بالحليب!المضحك في الأمر أن البعض يربط لون الشعر مباشرة بالعمر، فيقرر فجأة أن يناديني: “يا عم” أو “يا حج”، وكأن الشيب منحني تلقائيًا عضوية مجلس الحكماء. والأسوأ أن بعضهم يقولها بكل ثقة، بينما يكون الفرق العمري بيني وبينه مجرد سنوات قليلة… أو ربما أنا أصغر منه أصلًا!والأصعب من كل ذلك، حين تأتي صبية وتناديني: “يا عمو”… هنا تحديدًا أشعر أن الشيب لم يعد مجرد لون شعر، بل تحوّل إلى مشروع قانون يفرض عليّ التقاعد العاطفي المبكر! عندها لا أعرف إن كنت أبتسم من الإحراج، أم أوضح لها بكل هدوء أن “العمو” الحقيقي ربما يجلس في مكان آخر…والأطرف من ذلك عندما أكون جالسًا مع مجموعة شباب من عمري، فيأتي شخص جديد فيسلّم على الجميع بأسمائهم، ثم يصل إليّ ويقول باحترام زائد: “كيفك يا حج؟”. فجأة أشعر أنني تحولت من شاب عادي إلى مختار الحي أو مسؤول لجنة الصلح العائلية!ولأن الشيب عند كثيرين مرادف تلقائي للزمن الجميل، أشعر أحيانًا أن البعض يتخيّلني أستيقظ صباحًا على أغاني صالح عبد الحي ومنيرة المهدية، وأمضي نهاري بين الأسطوانات القديمة والراديو الخشبي، وكأنني لم أسمع يومًا بعمرو دياب أو بأغاني جيلي! مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير الشيب زار شعري مبكرًا، لكنه لم يغيّر تاريخ ميلادي، ولم يحوّلني إلى شاهد عيان على بدايات الغناء العربي.حتى في المناسبات، بات البعض يتوقع مني أن أمتلك الحكمة في كل شيء، فقط لأن نصف شعري أبيض. يعني إذا صار نقاش سياسي أو اجتماعي، الكل ينظر إليّ وكأن المطلوب مني إصدار بيان رسمي أو حل أزمة الشرق الأوسط خلال خمس دقائق!وإذا جلست في سيارة أجرة مثلًا، قد يسألك السائق تلقائيًا: “شو رأيك بهالجيل؟”، وكأن المطلوب مني انتقاد الشباب مع أنني واحد منهم أصلًا!أنا بصراحة لست منزعجًا من الشيب نفسه، بالعكس، أراه أمرًا طبيعيًا وله هيبته أحيانًا، لكن المشكلة الحقيقية في تلك الكلمات التي تجعلك تشعر وكأنك انتقلت فجأة من مرحلة الشباب إلى مرحلة تقديم النصائح المجانية للشباب.ومع ذلك، يبدو أن المجتمع عندنا يعتبر الشعر الأسود بطاقة هوية للشباب، أما أول شعرة بيضاء فهي إعلان رسمي للدخول في نادي “يا حج”. ولو استمر الوضع هكذا، أخشى أن يبدأ أحدهم قريبًا بإفساح المقعد لي في الحافلة احتراماً لـ”الشيبة” وليس لعمري.
