زمان، كانت الحارة تعرف تماماً متى وصل مجلّخ السكاكين.
صوت حجر الجلخ كان يسبق الرجل، فيخرج الناس من بيوتهم حاملين السكاكين والمقصات، وكل واحد ينتظر دوره حتى تعود السكينة إلى حدّتها.
وبعده كان يأتي مبيّض الطناجر، يحمل عدّته، ويبدأ عمله في تنظيف وتبييض الأواني القديمة، فتعود الطنجرة إلى لمعانها وكأنها جديدة.
كانت الحياة بسيطة… لكن كل شيء كان له معنى.
السكينة تُجلَّخ لتقطع الطعام، والطنجرة تُبيَّض لتعود صالحة للطبخ، والأشياء القديمة كان لها دائماً فرصة ثانية.
أما اليوم، فإذا نظرنا إلى حال البلد، نشعر أحياناً أننا بحاجة إلى مجلّخ سكاكين ومبيّض طناجر… ولكن على مستوى آخر!
فالسكين في السياسة لا تحتاج دائماً إلى حجر جلخ؛ أحياناً يكفي تصريح واحد حتى تصبح الكلمات حادّة، ويبدأ كل طرف بتقطيع الطرف الآخر.
والطنجرة؟
الطنجرة السياسية تحتاج إلى تبييض مستمر… صورة جديدة، خطاب جديد، مؤتمر صحافي جديد، ووعود جديدة، حتى تلمع من الخارج، فيما المواطن يرفع الغطاء ويسأل:
شو في جوّا الطنجرة؟
زمان، كان المبيّض يبيّض الطنجرة أمام الناس، وكان المواطن يرى بعينه ماذا يفعل.
أما اليوم، فهناك طناجر سياسية كثيرة تُلمَّع من الخارج، والمواطن لا يعرف إن كان الطبخ قد نضج فعلاً أم أن النار ما زالت تحتها منذ سنوات!
والأجمل أن المواطن اللبناني أصبح خبيراً بكل هذه المهن.
يعرف متى يتم تجليخ السكين، ومتى يتم تبييض الطنجرة، ومتى تكون الطنجرة «مستوية» ومتى تكون بحاجة إلى وقت إضافي.
حتى إن البعض صار يقول:
“ما بدنا حدا يجلّخ السكاكين علينا… بدنا حدا يطبخ البلد صح!”
والحقيقة أن الفرق بين الأمس واليوم كبير.
زمان، إذا انكسرت السكينة، كانوا يصلحوها.
إذا بهت النحاس، كانوا يبيّضوه.
إذا تعطلت قطعة، كانوا يبحثون عن حرفي يصلحها.
أما اليوم، فكثير من الأشياء أصبحت تُرمى وتُستبدل… وربما حتى بعض الوعود السياسية أصبحت مثل الأدوات القديمة: تُرمَّم وقت الحاجة، ثم تعود إلى الدرج حتى موعد الانتخابات!
ومع ذلك، يبقى في حكايات المهن القديمة درس جميل:
الإصلاح أفضل من الهدم، والعمل أهم من التلميع، والنتيجة أهم من الكلام.
فمجلّخ السكاكين لم يكن بحاجة إلى خطب طويلة؛ كانت النتيجة تظهر أمامه:
سكين كانت لا تقطع، فأصبحت تقطع.
ومبيّض الطناجر لم يكن بحاجة إلى حملة إعلامية؛ كانت الطنجرة أمام الناس، وبعد قليل يظهر الفرق.
وهنا السؤال السياسي الساخر:
يا ترى، هل يأتي يوم نرى فيه البلد مثل السكين بعد الجلخ والطنجرة بعد التبييض… نظيفاً، جاهزاً، وصالحاً للاستعمال؟
أم أننا سنبقى كل فترة بحاجة إلى مجلّخ جديد، ومبيّض جديد، وطبخة جديدة… والمواطن هو الذي يدفع ثمن الغاز؟
من حكايات الحارة القديمة إلى حكايات السياسة اليوم… تغيّرت الأدوات، لكن يبدو أن الطناجر والسكاكين ما زالت حاضرة!
