من جنوب لبنان إلى باريس، انتقلت قضية منزل وأرض زراعية عائلية إلى أروقة القضاء الفرنسي.
فقد تقدّم رجل فرنسي من أصل لبناني، يبلغ 37 عاماً، بشكوى في فرنسا ضد مجهول على خلفية ما يقول إنه تدمير لمنزل عائلته واقتلاع لنحو 600 شجرة زيتون في بلدة زوطر الشرقية، مسقط رأسه في جنوب لبنان. وقدّم الشكوى فريق من المحامين بينهم ويليام بوردون ونيكولا بوسان وفنسنت برونغارث.
وبحسب محامي صاحب الشكوى، فإن بعض أشجار الزيتون التي اقتُلعت كانت معمّرة، فيما تعود زراعة الأرض إلى عائلة الرجل منذ نحو 250 عاماً. ويقول صاحب الشكوى إن الأشجار اقتُلعت من جذورها، وإن منزله وأراضيه الزراعية تعرضت أيضاً للدمار خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان.
الشكوى، التي قُدمت في فرنسا، تطلب التحقيق في وقائع يصفها أصحابها بأنها قد تشكل جرائم حرب تتعلق بتدمير الممتلكات واقتلاع الأشجار، وتدعو إلى تحديد المسؤولين عنها وملاحقتهم قضائياً.
ويؤكد محامو الرجل أنه لا توجد، بحسب ما ورد في الشكوى، عناصر تشير إلى استخدام المنزل أو الأراضي الزراعية كمنشأة عسكرية أو ارتباط العائلة بحزب الله. لكن هذه النقاط تمثل ادعاءات واردة في الشكوى، ولا تعني أن القضاء الفرنسي أثبتها أو أصدر حكماً بشأنها.
من ذاكرة العائلة إلى ملف قضائي
بالنسبة إلى صاحب الشكوى، لا تتعلق القضية بمنزل وأشجار فقط. فالأرض التي تتحدث عنها الشكوى هي أرض عائلية في قرية ولد فيها، وتشكل أشجار الزيتون جزءاً من تاريخ العائلة وسبل عيشها.
ولهذا اختار اللجوء إلى القضاء الفرنسي، باعتباره مواطناً فرنسياً مقيماً في فرنسا، في محاولة لمعرفة من يقف وراء تدمير ممتلكاته ومحاسبته إذا أثبت التحقيق وجود جريمة.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة من الشكاوى التي قُدمت في فرنسا على خلفية العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. ففي يونيو الماضي، تقدّم فرنسي-لبناني آخر، يُعرف باسم محمد هـ.، بشكوى عبر المحامي إيمانويل داود بعد مقتل والدته وشقيقته واثنين من أبناء شقيقته في قصف على مدينة صور في أبريل 2026.
كما كان الفنان الفرنسي-اللبناني علي شري قد تقدم في أبريل بشكوى تتعلق بمقتل والديه في ضربة صاروخية استهدفت مبنى في بيروت عام 2024، وفق ما أوردته صحيفة «لوموند».
القضاء الفرنسي.. طريق آخر للضحايا
وتستند هذه الملفات إلى إمكانية نظر القضاء الفرنسي، في ظروف محددة، في جرائم دولية يُشتبه في ارتكابها خارج فرنسا، ضمن ما يعرف بمبدأ الاختصاص القضائي العالمي. وقد أوضحت «لوموند» أن فرنسا أصبحت إحدى الساحات التي يلجأ إليها بعض الضحايا في محاولة لفتح تحقيقات بشأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يُشتبه في وقوعها خارج الأراضي الفرنسية.
ولا يعني تقديم الشكوى أن القضاء الفرنسي أثبت ارتكاب جريمة أو حمّل جهة معينة المسؤولية؛ فالتحقيق، إذا فُتح، هو الذي يفترض أن يحدد الوقائع والمسؤوليات والتوصيف القانوني لها.
لكن في هذه القضية تحديداً، تبدو الصورة التي تحملها الشكوى شديدة الرمزية: منزل دُمّر، وأشجار اقتُلعت من جذورها، وعائلة تحاول نقل قضيتها من أرض الجنوب اللبناني إلى قاعات العدالة في فرنسا.
فبالنسبة إلى صاحب الشكوى، لم يعد الأمر يتعلق فقط بما بقي من أرض العائلة، بل بسؤال أوسع: هل تستطيع العدالة أن تحدد من دمّر ما لا يمكن تعويضه بسهولة؟


