لم يعد الغلاء في لبنان خبراً جديداً، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية للبناني، حتى بات المواطن يستيقظ كل صباح ليسأل: ماذا ارتفع سعره اليوم؟
من البنزين إلى إيجار المنزل، ومن فاتورة الكهرباء إلى اشتراك المولد، ومن الأقساط المدرسية إلى أسعار المواد الغذائية والدواء، تتراكم الأعباء على المواطن، فيما الرواتب عاجزة عن اللحاق بهذه الارتفاعات.
المشكلة في لبنان ليست فقط أن الأسعار مرتفعة، بل أن الدخل لا يكفي لمواجهة هذه الأسعار. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
في دول عربية وأوروبية كثيرة، قد تكون بعض السلع أو الخدمات مرتفعة، لكن الفارق الأساسي أن متوسط دخل المواطن يكون قادراً، بدرجات مختلفة، على تحمل جزء من هذه الكلفة. أما في لبنان، فالمواطن يدفع بأسعار مرتفعة، بينما مداخيله لا تزال محدودة أمام حجم المصاريف.
حتى البنزين أصبح عبئاً يومياً. والمفارقة أن دولاً تملك النفط والغاز وتبيع المحروقات بأسعار مختلفة، فيما المواطن اللبناني، الذي لا يملك هذه الثروة النفطية، يجد نفسه أمام كلفة نقل ومحروقات تثقل ميزانيته.
ثم يأتي السكن.
إيجار منزل كان يمكن لعائلة أن تتحمله بالأمس، أصبح اليوم عبئاً ثقيلاً، وفي بعض المناطق ارتفعت الإيجارات إلى مستويات يصعب معها على أصحاب الدخل المحدود والمتوسط الاستمرار. والمشكلة لا تتوقف عند المنازل، بل وصلت إلى إيجارات المحلات والمؤسسات والمكاتب، ما يهدد أصحاب الأعمال الصغيرة ويجعل الاستمرار في بعض القطاعات أكثر صعوبة.
وهنا بدأنا نرى مؤسسات ومحلات تخفّض نشاطها أو تغلق أبوابها، ليس لأن أصحابها لا يريدون العمل، بل لأن المعادلة أصبحت قاسية:
إيجار مرتفع + كهرباء + مولد + رواتب + ضرائب + مواد أولية + نقل = مؤسسة مهددة بالإقفال.
أما الكهرباء، فقصتها وحدها تحتاج إلى مقال.
المواطن اللبناني يدفع فاتورة للدولة، ويدفع فاتورة أخرى للمولد، وفوقها مصاريف البطاريات أو الطاقة الشمسية عند من يستطيع تأمينها، وكأن المواطن يعيش في نظام كهربائي من عدة طبقات، وكل طبقة لها فاتورتها الخاصة.
وفي ظل غياب حل كهربائي شامل، أصبح سوق المولدات جزءاً أساسياً من حياة اللبنانيين، وأصبحت فاتورة الاشتراك بنداً ثابتاً في ميزانية العائلة.
أما المدارس والطبابة والدواء، فهذه قصة أخرى.
العائلة اللبنانية لم تعد تحسب فقط ثمن الطعام والشراب، بل عليها أن تحسب قسط المدرسة، والكتب، والنقل، والطبابة، والأدوية، والكهرباء، والمياه، والهاتف والإنترنت، والإيجار، والبنزين.
فماذا يبقى من الراتب؟
السؤال اليوم لم يعد: هل يستطيع اللبناني أن يعيش؟
بل أصبح:
كيف يستطيع أن يعيش؟
لبنان الذي كان يُعرف بقطاعه التجاري والخدماتي، وبقدرته على جذب الناس والاستثمار والحياة، يواجه اليوم مشكلة تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى تآكل القدرة على الاستمرار.
المطلوب ليس فقط مراقبة سعر سلعة هنا أو مخالفة محل هناك، بل معالجة منظومة كاملة من الأكلاف التي تحاصر المواطن والمؤسسة والعائلة.
فالبلد لا يمكن أن يستمر إذا كان المواطن يدفع أكثر، ويكسب أقل، والمؤسسة تدفع أكثر، وتبيع أقل.
وفي النهاية، الغلاء لا يقاس فقط بسعر السلعة على الرف، بل بكم ساعة عمل يحتاجها المواطن ليشتريها.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للغلاء في لبنان.
