في خطوة ثقافية بارزة تعكس أهمية الكفاءات الدولية في إدارة المؤسسات الفنية الكبرى، أُعلن عن تعيين المؤرخة الفنية اللبنانية الدكتورة ثريا نجيم مديرةً لمتحف اللوفر أبوظبي، خلفاً لمانويل راباتي، لتتولى قيادة واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي أصبحت خلال السنوات الماضية منصة عالمية للحوار بين الحضارات والثقافات.
ويأتي تعيين نجيم مستنداً إلى مسيرة مهنية تجمع بين البحث الأكاديمي والخبرة المتحفية، ولا سيما في مجال تاريخ الفن الإسلامي وعلم الآثار. فقد سبق لها أن شغلت منصباً قيادياً في متحف اللوفر أبوظبي بين عامي 2018 و2023، قبل أن تتولى مسؤولية إدارة الفنون الإسلامية في متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس، وهو ما منحها خبرة واسعة في التعامل مع المجموعات الفنية والتراثية، وإدارة المعارض والمشروعات الثقافية الدولية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تربط متحف اللوفر أبوظبي بفرنسا. فالمتحف لم ينشأ باعتباره فرعاً تقليدياً لمتحف اللوفر في باريس، بل جاء ثمرة اتفاق حكومي وثقافي بين دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الفرنسية، وُقّع عام 2007، بهدف إنشاء مؤسسة متحفية عالمية في أبوظبي تستفيد من الخبرات الفرنسية، وتقدم في الوقت نفسه رؤية ثقافية شاملة تربط بين الحضارات الإنسانية.
وافتُتح متحف اللوفر أبوظبي رسمياً في نوفمبر 2017، ليشكل محطة مهمة في مسيرة التعاون الثقافي الإماراتي الفرنسي. ويتميز المتحف بعرض أعمال فنية وأثرية من عصور ومناطق جغرافية مختلفة، ضمن رؤية تقوم على إبراز الروابط المشتركة بين الثقافات، بدلاً من حصر الأعمال الفنية في تقسيمات جغرافية أو حضارية منفصلة.
وتشمل الشراكة مع فرنسا التعاون في إعارة الأعمال الفنية، وتطوير المعارض، وتبادل الخبرات العلمية والمتحفية، إلى جانب ترخيص استخدام اسم «اللوفر»، الذي مُدّد حتى عام 2047 بموجب اتفاق أُبرم عام 2021. ومع ذلك، فإن اللوفر أبوظبي مؤسسة ثقافية إماراتية، وليس مجرد امتداد إداري لمتحف اللوفر الفرنسي.
ومن هنا، تبرز أهمية تولّي ثريا نجيم إدارة المتحف، إذ تجمع في تجربتها المهنية بين العمل داخل المؤسسة الإماراتية والتخصص في الفنون الإسلامية ضمن المؤسسة الفرنسية الأم من حيث الاسم والخبرة التاريخية. ويمكن لهذه الخلفية أن تدعم استمرار التعاون بين الجانبين، وتعزز حضور المتحف بوصفه مركزاً دولياً للمعرفة والفن والحوار الثقافي.
كما يعكس تعيين شخصية لبنانية في هذا المنصب البارز اتساع الطابع الدولي للمشهد الثقافي في أبوظبي، الذي يستقطب خبرات من خلفيات متنوعة للمساهمة في تطوير المؤسسات الفنية والمتاحف. وتمنح خبرة نجيم في تاريخ الفن الإسلامي والتراث بعداً إضافياً لرسالة المتحف، الذي يسعى إلى تقديم سردية فنية عالمية تُظهر التفاعل التاريخي بين الحضارات.
وبين أبوظبي وباريس، تبدو مسيرة ثريا نجيم نموذجاً للتداخل الثقافي الذي تقوم عليه المؤسسات الفنية الدولية اليوم؛ حيث تتجاوز المعرفة الفنية الحدود الوطنية، وتتحول المتاحف إلى مساحات للتواصل والتبادل بين الشعوب. ويظل التحدي الأساسي أمام الإدارة الجديدة مواصلة تطوير برامج المتحف ومجموعاته ومعارضه، مع الحفاظ على هويته الإماراتية ودوره في بناء جسور ثقافية مع فرنسا والعالم.



