تعيش الجالية اللبنانية في فرنسا مرحلة دقيقة ومثقلة بالمشاعر المتناقضة، حيث يختلط شعور الأمان النسبي في بلد الإقامة بقلق دائم على الأهل والأصدقاء في لبنان، في ظل الحرب والتوترات المستمرة مع إسرائيل. فبينما يحاول اللبنانيون في فرنسا متابعة حياتهم اليومية والعمل والدراسة، تبقى قلوبهم معلّقة بالوطن الذي يمر بواحدة من أصعب فتراته.
مع تصاعد غارات العدو الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، يعيش كثير من أبناء الجالية حالة من التوتر النفسي المستمر. فكل خبر عاجل أو صورة قادمة من الجنوب وضاحية بيروت أو من المناطق المتضررة قد تحمل أنباء عن خطر يهدد عائلاتهم. الهواتف لا تهدأ، والرسائل تتوالى بين باريس وبيروت والقرى اللبنانية، في محاولة للاطمئنان على سلامة الأحبة. هذا القلق الدائم يضع الجالية أمام ضغط نفسي كبير، إذ يشعر الكثيرون بالعجز عن تقديم المساعدة المباشرة، مكتفين بالدعم المعنوي أو المادي من بعيد.
وفي المقابل، تظهر بين أبناء الجالية روح تضامن لافتة. فالمبادرات الإنسانية وحملات التبرع تتزايد لدعم العائلات المتضررة، كما تنظم لقاءات وجمعيات الجالية فعاليات تهدف إلى إبقاء قضية لبنان حاضرة في الرأي العام. هذا التضامن لا يقتصر على المساعدات، بل يمتد إلى الدعم المعنوي بين أفراد الجالية أنفسهم، حيث يحاول الجميع التخفيف من ثقل الأخبار القاسية وتبادل الأمل في مستقبل أفضل.
إلا أن التحديات لا تقف عند حدود القلق على الوطن. فالجالية اللبنانية في فرنسا تحرص أيضاً على الحفاظ على التعايش بين مختلف الطوائف والانتماءات السياسية. فلبنان بلد متنوع بطبيعته، وأي توتر داخلي قد ينعكس بسهولة على الجاليات في الخارج. لذلك يسعى كثير من الناشطين وأبناء الجالية إلى تجنب الانقسامات والفتن الطائفية، والتأكيد على أن معاناة المدنيين في لبنان تتجاوز أي اختلاف سياسي أو طائفي.
كما يحاول اللبنانيون في فرنسا نقل صورة إنسانية عن معاناة المدنيين الذين يعيشون تحت خطر القصف وغارات العدو الأسرائيلي، وعن صمود الأهالي الذين يرفضون الاستسلام للخوف أو الإذلال. فالكثير من العائلات في لبنان تجد نفسها بين خيارين صعبين: البقاء في أرضها رغم المخاطر، أو النزوح وترك منازلها. وفي الحالتين تبقى الكرامة الإنسانية والرغبة في الحياة بسلام من أبرز ما يتمسك به الناس.
وسط كل هذه الظروف، تظل الجالية اللبنانية في فرنسا جسراً إنسانياً بين الوطن والمهجر. فهي تحمل همّ لبنان في قلوبها، وتسعى قدر الإمكان إلى دعمه، سواء عبر المساعدات أو عبر إيصال صوته إلى المجتمع الدولي. وبين ضغط الغربة وقلق الحرب، يبقى الأمل قائماً بأن يأتي يوم يعود فيه لبنان إلى الاستقرار، ليعيش أبناؤه في الداخل والخارج بسلام وكرامة.
لكن المشهد الأكثر إيلاماً يبقى في البيوت اللبنانية نفسها، حيث تحاول الأمهات إخفاء خوفهن عن أطفالهن، وحيث يجلس كبار السن بصمتٍ ثقيل وهم يدركون أن الأرض التي عاشوا عليها عمرهم كله أصبحت مهددة في كل لحظة. في تلك البيوت الصغيرة، لا تُعدّ الخطط العسكرية ولا تُرسم الخرائط السياسية، بل تُرسم خطط بسيطة لحماية الحياة: أين يختبئ الأطفال عند سماع صوت الطائرات، من يساعد الجد أو الجدة على النزول إلى مكان آمن، ومن يتأكد أن الجميع مجتمعون عندما تمرّ لحظات الخطر.
إن حماية الأطفال وكبار السن اليوم ليست مجرد إجراء احترازي، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية. لذلك تسعى كثير من العائلات إلى تنظيم أماكن أكثر أماناً داخل المنازل أو في الأحياء، وإعداد حقائب طوارئ بسيطة تحتوي على الأدوية والوثائق الأساسية وبعض الطعام والماء، وتحديد طرق تواصل واضحة بين أفراد العائلة والجيران عند وقوع أي طارئ. فالتعاون بين الجيران، والاهتمام بكبار السن، واحتضان الأطفال نفسياً قبل جسدياً، يمكن أن يحوّل الخوف إلى قوة تضامن إنسانية.
وفي النهاية، قد تستطيع الحروب أن تهدم البيوت أو تُثقل القلوب بالخوف، لكنها لا تستطيع أن تكسر إرادة الحياة لدى الناس. فكل طفل يتم حمايته، وكل مسنّ يجد من يمسك بيده في لحظة الخطر، هو دليل على أن الإنسانية ما زالت أقوى من صوت الطائرات، وأن الأمل، مهما اشتد الظلام، لا يزال يجد طريقه إلى القلوب.

