لم تعد التغطية الصحفية في جنوب لبنان مجرّد نقلٍ للصورة، بل تحوّلت إلى معركة بحدّ ذاتها… معركة بقاء.
في بلدة الطيري، لم تكن الصحافيتان أمال خليل وزينب فرج تبحثان عن سبق صحفي، بل عن طريقٍ آمن للخروج. لحظات قليلة كانت كفيلة بأن تحاصرهما غارة إسرائيلية بطائرة مسيّرة، بعد استهداف سيارة وسقوط قتيلين، لتجدا نفسيهما داخل دائرة النار، بلا ممرّ آمن، وبلا قدرة على الانسحاب.
“نحن داخل نطاق القصف… لا نستطيع الخروج. الصوت قريب جداً، وكل حركة محسوبة.”
“لم نعد نصوّر فقط… نحاول أن نبقى أحياء.”
لكن التطورات لم تقف عند هذا الحد.
فمع استمرار الحصار، برز نداء عاجل من السلطات الأمنية، التي ناشدت لجنة “الميكانيزم” إعطاء الإذن الفوري للصليب الأحمر اللبناني للدخول إلى البلدة، من أجل سحب الصحافية أمال خليل، وسط معلومات تفيد بأنها قد تكون مصابة.
وبحسب مندوبين ميدانيين في الجنوب، فإن أمال خليل لا تزال في دائرة الخطر المباشر، وسط تعذّر كامل للوصول إليها، ومنع أي جهة من الاقتراب من موقعها حتى اللحظة. هذا الواقع يطرح علامات استفهام خطيرة حول سلامة الصحافيين في مناطق النزاع، ويحوّل التغطية الإعلامية إلى مخاطرة مفتوحة.
أمال خليل اليوم في حالة خطر حقيقي، مع ترجيحات بإصابتها، فيما كل محاولات الوصول إليها تصطدم بالمنع والتعطيل. وبين نداءات الاستغاثة والصمت الميداني، يكبر القلق على حياتها، في مشهد يعكس مدى هشاشة الحماية المفترضة للإعلاميين.
“الوقت يمرّ ببطء… والخوف ليس من القصف فقط، بل من أن نبقى هنا بلا أي مخرج.”
في تلك اللحظات، لم يكن الخطر فقط في القصف، بل في العجز الكامل عن الوصول. جثتان بقيتا على الأرض، وفرق الإسعاف عاجزة، و”اليونيفيل” والجيش اللبناني ممنوعون من التقدّم. حصارٌ مزدوج: نارٌ من السماء، ومنعٌ على الأرض.
“نشاهد المكان أمامنا… لكن لا أحد يستطيع الوصول. حتى الإسعاف محاصر مثلنا.”
ما يجري يتجاوز كونه استهدافاً عابراً… ليطرح تساؤلات قاسية حول ما إذا كان الصحفي في الجنوب أصبح هدفاً بحد ذاته، لا مجرد شاهد.
في المقابل، تتوسّع رقعة الاستهدافات في الجنوب، من يحمر الشقيف إلى وادي الحجير والبقاع الغربي، مع سقوط قتلى وجرحى، وتدمير واسع للبنى التحتية والطرق، ما يزيد من عزلة المناطق المنكوبة ويعقّد وصول فرق الإغاثة.
“نحمل الكاميرا… لكنها لا تحمينا.”
الخطير في المشهد ليس فقط الخسائر البشرية، بل تحوّل الميدان إلى منطقة معتمة، يصعب توثيقها، ويُمنع الوصول إليها. وهذا بحد ذاته شكلٌ من أشكال الحصار… حصار الرواية.
الصحفي الذي يفترض أن ينقل الحقيقة، يجد نفسه اليوم داخلها، محاصراً بها، ومهدداً بالصمت القسري أو الموت.
في جنوب لبنان، لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟
بل: من يستطيع أن يروي ما يحدث… ويخرج حيّاً؟
