لم تعد بيروت مجرد عاصمة مزدحمة، بل تحوّلت في الأيام الأخيرة إلى ملاذٍ مؤقت لآلاف العائلات التي نزحت هرباً من القصف. من الجنوب والضاحية ومناطق عدة، حمل الناس ما استطاعوا من حقائب وذكريات، واتجهوا نحو العاصمة علّهم يجدون فيها بعض الأمان.
أحياء مثل عائشة بكار، المنارة، كورنيش المزرعة، ورملة البيضاء باتت تعجّ بالعائلات النازحة. شقق صغيرة امتلأت بأكثر من عائلة، وأرصفة الكورنيش شهدت ليالي طويلة لأناس لم يجدوا مكاناً يبيتون فيه. البعض افترش السيارات، وآخرون قضوا الليل قرب البحر، هرباً من صوت الطائرات الذي يلاحقهم حتى في أحلامهم.
لكن المشهد لم يتوقف عند البيوت والشوارع. فمع تزايد أعداد النازحين، فُتحت بعض المدارس في بيروت لاستقبال العائلات، وتحولت الصفوف التي كانت تضجّ بأصوات التلاميذ إلى غرف مؤقتة لعائلات فقدت منازلها أو لم تعد قادرة على العودة إليها.

وفي وقتٍ يحاول فيه الأهالي حماية أطفالهم من مشاهد الحرب، يقف كثيرون عاجزين أمام أسئلة الصغار: أين بيتنا؟ متى نعود إلى مدرستنا؟ ولماذا ننام في صفوف الدراسة بدل المقاعد؟
بيروت التي لطالما كانت ملجأ اللبنانيين في الأزمات، تجد نفسها اليوم مثقلة بوجع النازحين. مدينة تحاول أن تحتوي الجميع، رغم أزماتها الاقتصادية وضيق إمكاناتها.
وفي كل زاوية من العاصمة تتكرر الحكاية نفسها:
عائلة تهرب من القصف، طفل يحمل حقيبته المدرسية بدل لعبته، وأمّ تحاول إقناع أولادها بأن هذه الإقامة مؤقتة… وأن العودة إلى البيت ستأتي يوماً ما.
لكن حتى ذلك الحين، تبقى الحقيقة القاسية واضحة:
الحرب لا تدمّر البيوت فقط… بل تسرق أيضاً شعور الناس بالأمان أينما ذهبوا
