حين أشرفتُ على تدريب العديد من الطامحين لدخول مهنة الإعلام المسموع، كنت أؤكد دائماً على ضرورة أن يكون المحاور قويّ الحضور أمام ضيفه، بل وكنت أقول له أحياناً: “كن أقوى منه إن استطعت”. لكنني لم أقصد يوماً بهذه القوة التعالي أو الاستعراض أو محاولة التفوق الشكلي، وإنما كنت أعني قوة المعرفة، وسعة الاطلاع، والقدرة على إدارة الحوار بثقة ووعي واتزان.فالمحاور الناجح ليس ذلك الذي يكثر من المقاطعة، ولا من يسعى إلى إحراج ضيفه أو الظهور على حسابه، بل هو من يمتلك أدواته المهنية والفكرية، فيستطيع أن يطرح الأسئلة العميقة، ويتابع الإجابات بذكاء، ويصحّح أي معلومة غير دقيقة بأسلوب راقٍ يحفظ هيبة الحوار واحترام الضيف في آنٍ معاً. هذه القوة الهادئة هي التي تمنح المقابلة قيمتها الحقيقية، وتجعل المتلقي يشعر بأنه أمام نقاش يثري الفكر ويضيف معرفة، لا أمام استعراض أو مواجهة مفتعلة.لكن الواقع الإعلامي اليوم، في كثير من الأحيان، ابتعد عن هذا المفهوم الناضج للحوار. فأصبحنا نرى بعض مقدّمي البرامج يتعاملون مع الضيف وكأنهم في معركة لإثبات الذات، فيطغى التحدي والانفعال على روح النقاش، وتتحول المقابلة من مساحة لتبادل الأفكار إلى ساحة صدام واستعراض. وعند هذه النقطة، تضيع الرسالة الإعلامية الحقيقية، ويتراجع دور الإعلام بوصفه منبراً للمعرفة والتنوير.إن القوة الحقيقية للمحاور تكمن في توازنه ,أن يكون واثقاً دون غرور، حازماً دون عدوانية، ومطلعاً دون استعلاء. فالحوار الناجح ليس معركة يجب أن يُهزم فيها أحد، بل جسرٌ يُبنى بين الأفكار، ويُدار بعقلٍ واعٍ، ولغةٍ تحترم عقل المتلقي قبل أي شيء آخر.
