مع كل صيف تشهده فرنسا، يتكرر السؤال نفسه: كيف لدولة أوروبية متقدمة أن تعاني من درجات حرارة تتجاوز الأربعين مئوية، بينما لا تزال غالبية المنازل تخلو من أجهزة التكييف؟
في الأيام الأخيرة، اجتاحت فرنسا واحدة من أشد موجات الحر، حيث تجاوزت درجات الحرارة في العديد من المناطق 40 درجة مئوية، وصدرت تحذيرات صحية واسعة، وأغلقت بعض المدارس أبوابها، فيما وجد ملايين السكان أنفسهم يواجهون حرارة خانقة داخل منازلهم.
ورغم ذلك، فإن أجهزة التكييف لا تزال استثناءً في المنازل الفرنسية، خاصة في باريس، وهو أمر قد يبدو غريباً للقادمين من دول الشرق الأوسط، حيث أصبح التكييف جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.
إرث مناخي مختلف
السبب الأول يعود إلى طبيعة المناخ الفرنسي. فحتى وقت قريب، كان الصيف في فرنسا معتدلاً، ولم تكن موجات الحر سوى أحداث نادرة تستمر أياماً قليلة. لذلك لم يرَ الفرنسيون حاجة حقيقية للاستثمار في أجهزة التكييف، إذ كان فتح النوافذ ليلاً واستخدام المراوح كافيين لتلطيف الأجواء.
لكن تغير المناخ قلب هذه المعادلة. فموجات الحر أصبحت أكثر تكراراً، وأكثر شدة، وأطول مدة، بينما بقيت البنية السكنية كما هي.
مبانٍ جميلة.. لكنها حارة
تعتمد المدن الفرنسية، وخاصة باريس، على مبانٍ تاريخية يعود عمر الكثير منها إلى أكثر من مئة عام. ورغم جمالها المعماري، فإنها لم تُصمم لتحمل درجات حرارة مرتفعة كالتي تشهدها البلاد اليوم.
كما أن تركيب وحدات التكييف الخارجية يخضع في كثير من الأحيان لقيود قانونية، خصوصاً في الأبنية المصنفة تاريخياً أو تلك التي تتطلب موافقة اتحاد الملاك.
ثقافة مختلفة تجاه التكييف
هناك أيضاً عامل ثقافي لا يمكن تجاهله. فقد اعتاد الفرنسيون لعقود على اعتبار المكيف جهازاً يستهلك الكثير من الطاقة، ويؤثر سلباً في البيئة، بل إن بعضهم يعتقد أنه قد يسبب مشكلات صحية مثل التهاب الحلق أو نزلات البرد.
ولهذا السبب، فضّل كثيرون الاعتماد على حلول أخرى مثل إغلاق الستائر نهاراً، وتهوية المنازل ليلاً، واستخدام المراوح، بدلاً من تركيب أجهزة التكييف.
باريس.. جزيرة من الإسفلت
تزداد المشكلة في العاصمة باريس بسبب ما يعرف بظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”. فالإسفلت والمباني الخرسانية تمتص حرارة الشمس طوال النهار، ثم تطلقها ليلاً، ما يجعل درجات الحرارة داخل المدينة أعلى من المناطق الريفية المحيطة.
ويعاني سكان الشقق الواقعة تحت الأسطح بشكل خاص، إذ قد تصل الحرارة داخل منازلهم إلى مستويات تفوق حرارة الخارج، في ظل غياب أي وسيلة فعالة للتبريد.
هل يتغير الواقع..؟
الإجابة نعم، ولكن ببطء. فقد أدى تكرار موجات الحر إلى ارتفاع مبيعات أجهزة التكييف في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، كما بدأت السلطات تشجع على تحسين عزل المباني، وزراعة المزيد من الأشجار، وإنشاء مساحات خضراء تخفف من أثر الحرارة داخل المدن.
ومع ذلك، لا تزال نسبة المنازل المزودة بالتكييف أقل بكثير من مثيلاتها في دول مثل الولايات المتحدة وإسبانيا وإيطاليا، وهو ما يجعل كل موجة حر جديدة اختباراً صعباً لقدرة المدن الفرنسية على التكيف مع مناخ لم تعد تعرفه من قبل.
