هناك مدن لا يمرّ بها الإنسان مرورًا عابرًا، بل تترك أثرها في ذاكرته وتصبح جزءًا من قصته. وبالنسبة إلى الكاتب والمحامي اللبناني ألكسندر نجّار، تبدو باريس واحدة من هذه المدن التي لم تكن مجرد محطة للدراسة، بل مرحلة أساسية في تكوينه الإنساني والثقافي والأدبي.
وصل نجّار إلى العاصمة الفرنسية شابًا في ثمانينيات القرن الماضي لدراسة الحقوق، في مرحلة كان لبنان يعيش فيها سنوات صعبة من الحرب والاضطراب. وبين بيروت التي تركها خلفه وباريس التي بدأ يكتشفها، نشأت تجربة ستبقى حاضرة في ذاكرته لعقود.
شاب لبناني يكتشف باريس
كانت باريس بالنسبة إلى الشاب اللبناني أكثر من جامعة وقاعات دراسية. كانت مدينة جديدة بكل تفاصيلها: شوارعها، مقاهيها، جامعاتها، حياتها الثقافية، مظاهراتها، لقاءاتها وشخصياتها.
دخل نجّار عالم المدينة وهو يحمل معه شغفًا بالثقافة الفرنسية وأدبها وفنها، وفي الوقت نفسه يحمل ذاكرته اللبنانية بكل ما فيها من تفاصيل وعادات وحنين إلى بيروت.
وهكذا بدأ يعيش تجربة مزدوجة: اكتشاف فرنسا من جهة، واكتشاف ذاته كلبناني يعيش خارج وطنه من جهة أخرى.
عندما تصبح الغربة جزءًا من الهوية
تجربة اللبناني في فرنسا تحمل دائمًا سؤال الهوية.
فالمغترب عندما يبتعد عن وطنه لا يترك هويته عند بوابة المطار. على العكس، تصبح بعض تفاصيلها أكثر وضوحًا. اللغة، الطعام، الموسيقى، الذكريات، الأصدقاء، وحتى تفاصيل الحياة اليومية في لبنان، كلها تكتسب معنى جديدًا عندما يعيش الإنسان بعيدًا عنها.
وهذا ما يجعل تجربة «اللبناني في باريس» تجربة تتجاوز قصة فرد واحد. إنها حكاية آلاف اللبنانيين الذين وجدوا في فرنسا بلدًا للدراسة والعمل والاستقرار، وحملوا معهم في المقابل جزءًا من لبنان إلى المجتمع الفرنسي.
باريس في ذاكرة ألكسندر نجّار
بعد مرور نحو أربعة عقود، يعود نجّار إلى تلك السنوات من خلال كتابه «Un Libanais à Paris».
إنها عودة إلى زمن الشباب، إلى سنوات الدراسة والمغامرات والصداقات والمواقف اليومية التي قد تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها تصبح مع مرور الزمن جزءًا ثمينًا من الذاكرة.
وفي الكتاب، لا تظهر باريس كمدينة سياحية مألوفة، بل كما عاشها شاب لبناني للمرة الأولى. باريس الجامعة، والشارع، والمقهى، والأصدقاء، والحياة الثقافية، والمواقف الطريفة، والبحث عن مكان في مدينة كبيرة ومختلفة.
إنها باريس التي اكتشفها من الداخل، لا باريس التي نراها فقط في الصور والكتب والأفلام.
بين القانون والأدب
لم تكن السنوات الفرنسية مرحلة دراسية فقط في حياة نجّار، بل كانت أيضًا جزءًا من الطريق الذي قاده إلى عالم الأدب.
فقد جمع طوال مسيرته بين القانون والكتابة، وبين المهنة والثقافة. وهذا الجمع يعكس جانبًا مهمًا من شخصيته، حيث لم تكن الثقافة بالنسبة إليه عالمًا منفصلًا عن الحياة، بل وسيلة لفهم الإنسان والمجتمع والتاريخ.
وربما لهذا السبب استطاع بعد سنوات طويلة أن يعود إلى ذاكرته الطلابية وأن يحولها إلى مادة أدبية نابضة بالحياة.
بيروت لا تغيب عن باريس
في حكاية نجّار، تبدو بيروت حاضرة حتى عندما يكون الكاتب في باريس.
فالمغترب لا يعيش في مدينة واحدة فقط؛ إنه يعيش في مدينتين في الوقت نفسه. يعيش الحاضر في المكان الذي اختاره أو اضطر إلى الإقامة فيه، ويحمل الماضي معه أينما ذهب.
ولهذا يمكن قراءة تجربة نجّار باعتبارها حوارًا مستمرًا بين بيروت وباريس.
باريس أعطته تجربة جديدة، ولبنان أعطاه الذاكرة التي ينظر من خلالها إلى هذه التجربة.
قصة تتجاوز صاحبها
ما يجعل هذه التجربة لافتة هو أنها لا تتوقف عند سيرة ألكسندر نجّار وحده.
فالكثير من اللبنانيين في فرنسا يمكن أن يجدوا شيئًا من قصتهم فيها: طالب وصل للمرة الأولى إلى باريس، عائلة بدأت حياة جديدة، شاب يبحث عن مستقبله، مثقف يحاول أن يجد مكانه في المشهد الثقافي، أو مهاجر اكتشف مع مرور السنوات أن البلد الجديد أصبح جزءًا من هويته من دون أن يلغي وطنه الأول.
هذه هي خصوصية التجربة اللبنانية في فرنسا: القدرة على الجمع بين انتماءين، وثقافتين، وذاكرتين.
الثقافة جسر بين لبنان وفرنسا
يمثل الحضور اللبناني في فرنسا جانبًا مهمًا من العلاقة التاريخية بين البلدين.
فإلى جانب رجال الأعمال والأطباء والمهندسين والطلاب والمهنيين، هناك كتاب وفنانون ومثقفون لبنانيون ساهموا في جعل الثقافة اللبنانية حاضرة في المشهد الفرنسي.
ومن خلال الأدب تحديدًا، يمكن للإنسان أن يحمل وطنه إلى العالم بطريقة مختلفة.
فالقصة والقصيدة والرواية والذاكرة الشخصية تستطيع أن تقدم لبنان بعيدًا عن الأخبار السياسية والأزمات اليومية، وأن تبرز وجهه الثقافي والإنساني.
باريس.. ذاكرة لا تنتهي
بعد عقود من مغادرته مرحلة الشباب، يعود ألكسندر نجّار إلى باريس من خلال الكتابة.
لكن هذه المرة لا يعود إليها كطالب لبناني يبحث عن مستقبله، بل ككاتب يحمل معه سنوات طويلة من التجربة.
وهكذا تتحول المدينة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى كتاب، والكتاب إلى شهادة عن مرحلة من حياة لبناني عاش بين عالمين.
إن قصة ألكسندر نجّار في باريس تذكّرنا بأن الغربة ليست دائمًا ابتعادًا عن الوطن. أحيانًا تكون الغربة طريقة أخرى لاكتشافه، وفهمه، والاحتفاظ به.
فقد يصل اللبناني إلى باريس حاملاً حقيبة وذكريات، لكنه بعد سنوات يكتشف أن باريس نفسها أصبحت جزءًا من هذه الذكريات، وأن الوطن الذي تركه خلفه لم يبقَ في بيروت، بل رافقه طوال الطريق.
