تدخل الجالية اللبنانية مرحلة تستحق المتابعة الدقيقة. فبين أزمة الموازنة، وارتفاع كلفة المعيشة، والتشدد المتزايد في ملف الهجرة، والتغييرات التي تطاول الطلاب الأجانب، يجد اللبنانيون المقيمون في فرنسا أنفسهم أمام مجموعة من الملفات التي يمكن أن تنعكس مباشرة على حياتهم اليومية.
ولأن عدد اللبنانيين والطلاب اللبنانيين في فرنسا كبير، فإن أي تعديل في القوانين الاجتماعية أو التعليمية أو قوانين الإقامة لا يبقى مجرد خبر فرنسي، بل يتحول سريعاً إلى قضية تهم آلاف العائلات.
الاقتصاد الفرنسي تحت الضغط
الخبر الاقتصادي الأبرز هذا الأسبوع جاء من أرقام النمو. فقد بقي الاقتصاد الفرنسي من دون نمو في الربع الثاني من عام 2026، بعد انكماش بنسبة 0.2% في الربع الأول، فيما وصل التضخم السنوي في آب إلى نحو 2.4%. كما بقي العجز العام عند مستوى مرتفع بلغ نحو 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذه الأرقام تضع الحكومة الفرنسية أمام مهمة صعبة مع إعداد موازنة عام 2027، خصوصاً أن الحكومة تسعى إلى خفض العجز في وقت ترتفع فيه كلفة خدمة الدين والإنفاق الاجتماعي.
وبالنسبة إلى اللبناني المقيم في فرنسا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يحدث في الاقتصاد؟ بل: كيف سينعكس ذلك على الحياة اليومية؟
فأي إجراءات لتقليص الإنفاق يمكن أن تطاول مستقبلاً بعض برامج الدعم الاجتماعي أو الصحة أو السكن أو التقاعد، وهو ما يجعل مشروع الموازنة من أهم الملفات التي ينبغي للجالية متابعتها خلال الخريف.
الطلاب اللبنانيون: الملف الأكثر حساسية
يأتي ملف الطلاب في مقدمة القضايا التي تهم الجالية اللبنانية.
ويُقدّر عدد الطلاب اللبنانيين في فرنسا بأكثر من 10 آلاف طالب وطالبة، ما يجعلهم من أكبر مجموعات الطلاب اللبنانيين في الخارج.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه الطلاب اللبنانيون متابعة تنفيذ الإعفاء من رسوم التسجيل في الجامعات الحكومية الفرنسية للعام الدراسي 2026–2027، ظهرت تغييرات أخرى في شروط الطلاب الدوليين تستحق الانتباه.
فمنذ 1 آب 2026 ارتفع المبلغ المالي الذي يجب على طالب أجنبي إثبات توافره لتغطية معيشته في فرنسا إلى نحو 877.50 يورو شهرياً، بعدما كان 615 يورو. ويؤثر التغيير خصوصاً على طلبات التأشيرة والإقامة الدراسية الجديدة والتجديدات التي تنطبق عليها القاعدة الجديدة.
وهذا يعني أن الطالب اللبناني الذي يخطط للقدوم إلى فرنسا للدراسة يحتاج إلى إعداد ملف مالي أكثر قوة، في وقت ترتفع فيه أصلاً تكاليف السكن والطعام والنقل.
ملف السكن وCAF يستحق المتابعة
من الملفات التي يجب ألا يغفل عنها الطلاب اللبنانيون أيضاً موضوع المساعدات السكنية.
فقد دخلت في 2026 تغييرات تتعلق بأهلية بعض الطلاب من خارج الاتحاد الأوروبي للاستفادة من مساعدات السكن، مع استثناءات مرتبطة خصوصاً بالمنح الدراسية وبعض حالات العمل أو التدريب بالتناوب.
وهذا الملف مهم جداً للطلاب اللبنانيين، لأن المساعدة السكنية كانت بالنسبة إلى كثير منهم عاملاً أساسياً في القدرة على تحمل كلفة الحياة في المدن الفرنسية، ولا سيما باريس وضواحيها.
لذلك، فإن الطالب اللبناني لا ينبغي أن يعتمد على معلومات قديمة حول CAF، بل عليه التأكد من وضعه القانوني وشروط الاستفادة المطبقة على حالته.
الهجرة والإقامة: ملف سيزداد سخونة
مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، بدأت قضية الهجرة تعود بقوة إلى واجهة النقاش السياسي.
هذا الأسبوع، تبنى عدد من الشخصيات السياسية، بينها إدوار فيليب وغابرييل أتال، مواقف أكثر تشدداً تجاه الهجرة، في محاولة لمواجهة صعود اليمين المتطرف. وشملت المقترحات المطروحة قضايا مرتبطة باللجوء ولمّ الشمل وبعض جوانب الجنسية والهجرة.
وهنا ينبغي التفريق بين المقترحات السياسية وبين القوانين النافذة فعلياً.
فاللبناني الذي يعيش بصورة قانونية في فرنسا لا ينبغي أن يعتبر كل تصريح انتخابي تغييراً للقانون. لكن الاتجاه السياسي العام مهم، لأنه قد يؤدي إلى تغييرات مستقبلية في شروط الإقامة أو الجنسية أو الهجرة العائلية.
الانتخابات الفرنسية تقترب… والجالية تراقب
بدأت معركة 2027 تظهر مبكراً.
ففي هذا الأسبوع، التقى عدد من أبرز الأسماء المرشحة للرئاسة في مناظرة اقتصادية، وكان واضحاً أن ملف الدين العام والضرائب والتقاعد والإنفاق الحكومي سيكون في قلب المعركة الانتخابية.
واللافت أن الهجرة أصبحت أيضاً جزءاً أساسياً من السباق السياسي.
وهذا يعني أن اللبنانيين المقيمين في فرنسا سيجدون أنفسهم أمام نقاش سياسي قد يتناول مباشرة قضايا تهمهم: الإقامة، الجنسية، لمّ الشمل، المساعدات الاجتماعية، الأمن، التعليم والاندماج.
ومن هنا تأتي أهمية متابعة البرامج الانتخابية الفعلية، وليس فقط التصريحات الإعلامية.
المدارس أيضاً أمام تغيير مهم
ومن الأخبار التي تهم العائلات اللبنانية التي لديها أولاد في المدارس الفرنسية، القانون الجديد المتعلق بالهواتف المحمولة في المدارس الثانوية.
فمن المفترض أن يدخل حظر الهواتف في المدارس الثانوية حيز التطبيق اعتباراً من 1 أيلول 2026، إلا أن عدداً من مديري المدارس حذروا من صعوبات عملية في تطبيق القانون، بسبب الحاجة إلى تعديل الأنظمة الداخلية وتحديد أماكن استخدام الهاتف والاستثناءات والعقوبات.
وبالتالي، على الأهالي متابعة النظام الداخلي للمدرسة التي يدرس فيها أبناؤهم، لأن طريقة تطبيق القرار قد تختلف عملياً من مؤسسة إلى أخرى.
ماذا ينتظر اللبنانيين في أيلول؟
مع انتهاء العطلة الصيفية وعودة الإدارات والمدارس والجامعات إلى العمل، من المتوقع أن تبرز مجموعة من الملفات:
أولاً – الموازنة:
كيف ستتعامل الحكومة مع العجز والدين والإنفاق الاجتماعي؟
ثانياً – الطلاب:
ماذا سيكون مصير ملف إعفاء الطلاب اللبنانيين من الرسوم الجامعية؟ وكيف ستُطبّق الشروط المالية الجديدة؟
ثالثاً – السكن وCAF:
من سيستمر في الاستفادة من المساعدات السكنية، ومن ستتغير حقوقه؟
رابعاً – الإقامة والجنسية:
هل تتحول المواقف الانتخابية المتشددة إلى قوانين جديدة؟
خامساً – القدرة الشرائية:
هل تستمر الأسعار في الارتفاع، وكيف ستتأثر الأسر ذات الدخل المحدود؟
سادساً – المدارس:
كيف ستطبق المدارس حظر الهواتف مع بداية العام الدراسي؟
اللبنانيون في فرنسا… بين لبنان وفرنسا
الجالية اللبنانية في فرنسا ليست مجرد مجموعة من المقيمين الأجانب. فهي تضم طلاباً وأطباء ومهندسين وأكاديميين وأصحاب شركات ومطاعم ومحال تجارية وفنانين وموظفين، إضافة إلى عائلات لبنانية مستقرة منذ عقود.
ولهذا فإن متابعة الأخبار الفرنسية أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للبناني في فرنسا.
وفي المقابل، يبقى لبنان حاضراً في وجدان هذه الجالية، سواء من خلال العائلات أو التحويلات المالية أو النشاطات الثقافية والاجتماعية أو متابعة التطورات السياسية والأمنية في الوطن الأم.

