نحن اليوم نقف على صفيح ساخن، بين جمر يغلي تحت الرماد ينذر بثورة شارع لا تبقي ولا تذر، وبين مسرحية هزلية تسمى مفاوضات، ابطالها بعض الفاعلين والسلطة، ونهايتها المحفوظة دوما: تشكيل لجنة لدراسة الازمة.
خمس سنوات ونيف، ونحن ندور في ذات الحلقة المفرغة. ازمة تولد من رحم ازمة، والوطن يترنح من سيئ الى اسوأ، لان الحل لا يراد له ان يكون.
فالدولة التي تتباكى على الافلاس، وتستجدي لقمة عيشها من جيب الفقير، هي ذاتها التي تغض الطرف عن كنوزها المنهوبة. اين المليارات الراقدة في ادراج القضاء؟ اين ملفات الاثراء غير المشروع؟ اين قاعدة من اين لك هذا التي صارت نكتة يتندر بها الناس؟
انها ملفات نامت لعقود، تفوح منها رائحة الفساد والهدر والسمسرة والاستهتار بمال الناس. تهرب ضريبي فاضح، ووضع يد على الاملاك العامة بحرا وبرا، ومرافق تباع بثمن بخس لمن يدفع العمولة، ولجان وهيئات لا تسمن ولا تغني من جوع، ومعاشات فلكية تصرف لاشباح، بينما يمنع عن صاحب الحق حقه.
ولعل الفضائح الكبرى تشمل العفو عن رسوم الانتقال لصالح العديد من السياسيين، في الوقت الذي يلاحق فيه المواطن على فتات راتبه.
انها دولة لا تعرف ان تسترد حقها الا من جيب المكلف المقهور. تثقله بالضرائب وتغرقه بالرسوم. نعم، كل شعوب الارض تدفع الضرائب، ولكنها تدفعها لترى النور في بيتها، والماء في صنبورها، والدواء في مستشفاها، والمدرسة لابنائها، والكرامة في عيشها. اما في لبنان، فالمواطن يدفع ثمن كل شيء، ولا يحصل على اي شيء.
لذلك اقولها بلا مواربة: ان ما يتداول عن زلزال اجتماعي في تشرين ليس اشاعة ولا تهويلا، بل هو الحتمية التي نصنعها بايدينا. وكل ما يحاك اليوم من تفاوض وتشكيل لجان، ليس الا محاولة بائسة لامتصاص نقمة شعبية عارمة، ومحاولة ستبوء بالفشل، فقد بلغ السيل الزبى.
ان البلد لا يحتاج لجنة جديدة، بل لقرار سيادي شجاع، وخطة طوارئ اصلاحية تضع اليد على المال المهدور لا على لقمة الفقير، وتضع كبار الفاسدين حيث يجب ان يكونوا، ولو في فنادق خمس نجوم، حتى يعيدوا ما سرقوه وما ارتشوه، وما نهبوه جهارا نهارا، على مرأى ومسمع من الصغير قبل الكبير. أميرة سكر ـ بيريت
بيروت في ٢٥ ايلول ٢٠٢٦
