وصل البابا لاون الرابع عشر إلى فرنسا أمس، الجمعة 25 سبتمبر/أيلول، في زيارة رسولية تستمر أربعة أيام وتشمل باريس ولورد ومتز، في أول زيارة بابوية رسمية إلى فرنسا منذ عام 2008. وتحمل الزيارة أبعادًا دينية وإنسانية ودبلوماسية، في وقت تواجه فيه أوروبا والعالم تحديات متزايدة تتعلق بالحروب والسلام والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وكرامة الإنسان.
وكانت العاصمة الفرنسية المحطة الأولى للبابا، حيث استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه. وأجرى الطرفان مباحثات تناولت العلاقات بين فرنسا والكرسي الرسولي، إضافة إلى عدد من القضايا الدولية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتغير المناخ والحرب في أوكرانيا والسلام والاستقرار في الشرق الأوسط والشراكة مع إفريقيا.
وفي كلمته أمام السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي، ركز البابا لاون الرابع عشر على مكانة فرنسا الثقافية والتاريخية، وعلى مسؤوليتها في خدمة السلام والحوار. ودعا إلى عدم التعامل مع الحرب باعتبارها أمرًا حتميًا، مؤكدًا أهمية الدبلوماسية والعدالة واحترام كرامة الإنسان والشعوب. كما حذر من سباقات التسلح ومن الاعتقاد بأن الأسلحة النووية يمكن أن تشكل ضمانًا دائمًا للأمن.
ومن القضايا التي برزت بقوة خلال اليوم الأول الذكاء الاصطناعي. ففي زيارته إلى مقر منظمة اليونسكو في باريس، طرح البابا أسئلة حول مستقبل الإنسان في عصر تتسارع فيه قدرات الآلات والتكنولوجيا، داعيًا إلى أن يبقى التطور التقني في خدمة الإنسان لا أن يتحول إلى وسيلة تنتقص من كرامته أو حريته. وقد وصف في حديثه خطر الوصول إلى ما يشبه «جنة الآلات»، في تحذير من أن يتحول التقدم التقني إلى غاية بحد ذاته.
لكن البعد الديني للزيارة ظهر بصورة خاصة مساء الجمعة، عندما ترأس البابا صلاة الغروب في كاتدرائية نوتردام في باريس، التي أعيد افتتاحها بعد الحريق المدمر الذي أصابها عام 2019. وكان لاون الرابع عشر أول بابا يزور الكاتدرائية بعد إعادة بنائها، في مشهد جمع بين رمزية المكان الدينية والتاريخية وبين عودة الكاتدرائية إلى قلب الحياة العامة في باريس.
واختتم البابا يومه الأول بلقاء كبير مع الشباب في ملعب فرنسا في سان دوني، حيث شارك نحو 80 ألف شاب في سهرة صلاة. وتحدث إليهم عن الإيمان والرجاء، وشجعهم على اتباع المسيح دون خوف، في رسالة أراد من خلالها أن يجعل الشباب جزءًا أساسيًا من مستقبل الكنيسة والمجتمع.
وتكتسب زيارة البابا إلى فرنسا أهمية خاصة بسبب طبيعة المجتمع الفرنسي، الذي يقوم على تقليد قوي في العلمانية، إلى جانب وجود تاريخ طويل من العلاقات بين فرنسا والكنيسة الكاثوليكية. لذلك لا تقتصر الزيارة على الجانب الديني، بل تفتح أيضًا مساحة للحوار حول العلاقة بين الدين والمجتمع، وحرية الضمير، والإنسان في مواجهة التحولات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.
ومن باريس يتابع البابا لاون الرابع عشر رحلته إلى لورد ثم متز، حيث تتضمن الزيارة لقاءات مع المرضى والشباب والمهاجرين، إضافة إلى محطات ذات طابع روحي وإنساني ورسالة متعلقة بالسلام. وتأتي الزيارة تحت شعار «لكي تكون للعالم الحياة»، وهو شعار يلخص إلى حد كبير الموضوعات التي ظهرت في يومها الأول: حماية الحياة، كرامة الإنسان، السلام، الحوار، ومسؤولية التكنولوجيا أمام الإنسان.
وهكذا بدأ البابا لاون الرابع عشر زيارته إلى فرنسا برسائل تتجاوز حدود الكنيسة نفسها، فمن قصر الإليزيه إلى اليونسكو، ومن نوتردام إلى ملعب فرنسا، برزت قضايا السلام وكرامة الإنسان والذكاء الاصطناعي والشباب والإيمان بوصفها محاور رئيسية لهذه الزيارة البابوية التي تستمر حتى 28 سبتمبر/أيلول.
