أشارت تقارير وزارة الزراعة والبيئة، بتاريخ 4 شباط 2026، إلى رصد تركيزات مرتفعة من مادة الغليفوسات في عينات تربة من بعض المواقع، وصلت في حالات معينة إلى ما بين 20 و30 ضعفًا من المستويات المعتادة. كما تضمّنت شكوى لبنانية مقدّمة إلى الأمم المتحدة بتاريخ 14 حزيران 2026 نتائج عينات جُمعت من عيتا الشعب ورأس الناقورة والضهيرة، سُجّل في إحداها تركيز بلغ 22,750 ميكروغرامًا لكل غرام.
في المقابل، أعلنت وزارة الزراعة في 24 آب 2026 صدور نتائج أولية مطمئنة من أعمال رصد التربة والمحاصيل، مع استمرار الفحوص والمتابعة. وبين هذه المعطيات، تبرز أهمية استكمال الدراسات المخبرية وتوضيح نتائجها للرأي العام، خصوصًا في المناطق الزراعية التي تعرّضت لمخاطر الحرب.
فنتائج عينات التربة، مهما كانت مؤشّراتها، لا تكفي وحدها للحكم على سلامة ثمار الزيتون أو الزيت المستخرج منها، إذ يتطلّب ذلك إجراء فحوص مباشرة ومخصّصة للمحاصيل والزيوت. كذلك، فإن تقييم آثار الفوسفور الأبيض على التربة والنباتات يحتاج إلى دراسات ميدانية وفحوص علمية للمواقع التي تعرّضت له، بهدف تحديد حجم الأضرار وانعكاساتها المحتملة على الإنتاج الزراعي.
في جنوب لبنان، لا يُعتبر الزيتون مجرد محصول زراعي، بل هو جزء من هوية القرى وذاكرتها، ومصدر رزق لعائلات توارثت زراعته عبر الأجيال. فموسم القطاف بالنسبة إلى كثير من المزارعين يمثّل ثمرة عام كامل من التعب والانتظار، وموردًا أساسيًا يساعدهم على الصمود في أرضهم رغم الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة.
لكن استمرار المخاطر في الأراضي الزراعية، إلى جانب مخلّفات الحرب والأضرار التي لحقت بالبساتين، يضع المزارعين أمام تحديات إضافية، تبدأ من قدرتهم على الوصول إلى أراضيهم بأمان، ولا تنتهي عند ضمان جودة المحاصيل وتسويقها. كما أن غياب المعلومات الواضحة والنتائج النهائية قد يزيد من قلق المزارعين والمستهلكين، ويؤثر في الثقة بالمنتجات الزراعية القادمة من المناطق المتضررة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى مواصلة الفحوص العلمية بشفافية، وإعلان نتائجها بصورة واضحة، إلى جانب إزالة مخلّفات الحرب وتأمين الأراضي الزراعية ومساعدة أصحابها على استعادة نشاطهم. فحماية الزيتون لا تعني الحفاظ على محصول موسمي فحسب، بل تعني أيضًا حماية مصدر عيش عائلات الجنوب، وصون علاقتها بأرضها التي شكّلت على مدى عقود جزءًا أساسيًا من حياتها وهويتها.
ويبقى السؤال: هل تنجح الجهود المبذولة في طمأنة المزارعين والمستهلكين، وضمان عودة موسم قطاف الزيتون في جنوب لبنان إلى مساره الطبيعي، بعيدًا عن مخاطر التلوث ومخلّفات الحرب؟

