مقدرٌ على الشعب اللبناني بين الحين والآخر نزوحه داخلياً وهروبه إلى الأماكن الأكثر أمناً… هارباً من الحرب، لا يجد نفسه إلا هالعاً إلى سيارته حاملاً أطفاله، تاركاً كل شيء ورائه… من جراء إنذاراً أمره بالإخلاء الفوري…مقدرٌ على هذا الشعب ويا لسوء التقدير…
المشهد يتكرر.. لا تغيير في مشهديته، في سيناريوهاته ولا حتى في أشخاصه، أناسٌ هاربون بأطفالهم، بنسائهم، بكبار سنهم، بحواملهم “الذين أنجبوا أولادهم في زحمة السير”. ترى في وجوههم الخوف… يسيرون إلى المجهول.
فتواجههم “الطامة الكبرى” إلا وهي “حُمى الأسعار التأجيرية المركّبة للشقق”… لتكون وقع صدى أسعارها عليهم أقوى من الحرب نفسها. أسعارٌ تتراوح بين الألف دولاراً إلى الألفي دولار.. لمجرد شقة لا تتعدى الغرفتين أو الثلاث… فيطالعك “السمسار العقاري” ليكون أجره بنفس سعر الإيجار، ويلزمك بـ٣ أشهر كدفعة أولى للإيجار. ففي حساب أولي لهذه المعادلة تكلفة هذا المأوى بين الثلاث والأربع آلاف دولار ليتمكن هذا “الهارب” من تأمين مكان إيوائه.
يا أبناء الوطن الواحد، يا من اشتركتكم في هذه الأرض وتوافقتم على أن تكون موطنكم، نقول لكم: “إرحموا من في الأرض… يرحمكم من في السماء”. إرحموا الوجوه الصغيرة، إرحموا المرضى، إرحموا كبار السن الذين لا يستطيعون السير. فهذا الوقت ليس لتجميع الثروات، ولا للاستثمارات المكسبة من الإيجارات، إنها أكثر من ذلك… إنها “قضية إنسانية بحق”. وكذلك “قضية أخلاقية”، كونوا مواطنين في وطن، إنها مسألة أطفال ونساء وكبار السن..
أسعارٌ لا تعرف الرحمة ولا تعترف بالفقير الهارب ولا حتى بأدنى الإنسانية. يا أيها الشعب الواحد: “إرحموا الناس”. فهناك الكثيرون لا يستطيعون الهرب من منازلهم خوفاً من أسعاركم، يفضّلون الموت على أن يُجلَدوا بأسعاركم.
فهذا المواطن “المقدّر عليه”…. لا يجد أمامه سوى أن يفترش الأرض ببساطه الخفيف ليضع عليه عائلته واقفاً مكتوف الأيدي، ناظراً إلى السماء… متضرعاً إلى الله أن ينجيه من أتون هذه الحرب وأتون أسعاركم التأجيرية الغالية.
