هنا، في هذا التاريخ، لم تبدأ مجرد حرب… بل بدأ سقوط فكرة الوطن.
حينها، لم يكن الرصاص وحده هو المشكلة، بل العقول التي شرّعته، والخطابات التي غذّته، والقيادات التي استثمرت فيه لتكبير نفوذها على حساب بلد كامل.
الحرب الأهلية اللبنانية لم تكن قدراً مكتوباً،
بل كانت نتيجة تراكم طويل من الانقسام، والتحريض، وغياب الدولة.
بدأت بكلمة، بإشاعة، بخطاب تعبوي…
ثم تحوّلت إلى دم، ودمار، وذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات.
في تلك السنوات، خسر اللبنانيون أكثر من بيوتٍ وأرواح،
خسروا الثقة ببعضهم، وخسروا الإحساس بوطنٍ يجمعهم.
تحوّل الجار إلى خصم، والاختلاف إلى تهديد،
وصار الانتماء الطائفي أقوى من الانتماء الوطني.
والأخطر… أن الحرب لم تنتهِ بالكامل،
بل تغيّر شكلها فقط.
من الشارع إلى السياسة،
ومن البندقية إلى الخطاب،
ومن القتال المباشر إلى الانقسام المزمن الذي نعيشه اليوم.
لهذا، فإن استذكار 13 نيسان لا يجب أن يكون مناسبة عاطفية فقط،
بل لحظة وعي حقيقية:
أن الفتنة لا تحتاج إلى جيوش لتبدأ،
بل إلى كلمة غير مسؤولة، إلى خطاب تحريضي، إلى صمتٍ عن الخطأ.
اليوم، وبعد كل ما مرّ به لبنان،
لم يعد مقبولاً إعادة إنتاج نفس الأخطاء،
ولا تبرير السلاح خارج الدولة،
ولا القبول بخطاب يقسّم اللبنانيين تحت أي ذريعة.
الدولة ليست شعاراً…
الدولة هي الحدّ الفاصل بين الفوضى والاستقرار،
بين العدالة والانتقام،
بين وطن يعيش، وساحة تُستَخدم.
13 نيسان هو إنذار مستمر:
إما أن نتعلّم من الألم،
أو نُعيد كتابته بدمٍ جديد.
الاختيار واضح، ولو كان قاسياً:
إما دولة واحدة عادلة تحمي الجميع،
أو انقسامٌ يأكل ما تبقّى من هذا البلد.
التاريخ لا يرحم،
ومن لا يتعلّم منه… يدفع الثمن مرّةً أخرى.
