في صورةٍ يلتفّ فيها العلم اللبناني حول جميع الرايات، يبدو المشهد وكأن الوطن يحاول أن يجمع ما تفرّق… أن يحمي الجميع، فيما الجميع يضغط عليه بثقل الانقسام.
لكن الحقيقة لم تعد فقط في السلاح…
بل في ما هو أخطر: اقتصاد يُسحب من تحت أقدام الناس.
لبنان اليوم يعيش معادلة قاسية:
حديث دائم عن نزع السلاح،
في وقت تُنزع فيه أبسط مقومات الحياة من المواطن.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز بيروت مجدداً كساحة للنقاش السياسي الحاد.
فقد تلقّى نوّاب بيروتيون، بحسب مصادر مطّلعة، نصائح من دولة عربية معنية بالشأن اللبناني بعدم رفع سقف خطابهم خلال المؤتمر الذي يُعقد اليوم الخميس تحت عنوان: “بيروت منزوعة السلاح”.
وتأتي هذه النصائح في ظل حساسية المرحلة التي تمرّ بها البلاد، حيث يُخشى أن تؤدي المواقف التصعيدية إلى توتير إضافي في الشارع البيروتي، أو إلى تعقيد المشهد السياسي والأمني في العاصمة. وتشير المعطيات إلى أن الجهات المعنية تفضّل اعتماد خطاب هادئ يركّز على دعم الاستقرار، بدل الذهاب نحو مواجهات إعلامية أو سياسية قد تنعكس سلباً على الواقع الداخلي.
في المقابل، يرى مراقبون أن مجرد طرح عنوان “بيروت منزوعة السلاح” يحمل بحد ذاته دلالات سياسية كبيرة، تتجاوز الإطار المحلي، وتلامس توازنات دقيقة على مستوى الإقليم، ما يفسّر هذا الحرص الخارجي على ضبط النبرة.
لكن السؤال لا يقف هنا…
لأن بيروت، التي كانت قلب الاقتصاد ونبض المنطقة، لم تعد كما كانت.
شوارعها التي كانت تعجّ بالحياة، أصبحت شاهدة على محلات مقفلة،
ومؤسسات تُقفل أبوابها بصمت،
وشبابٍ يهاجرون لأن الأفق هنا لم يعد يكفي لأحلامهم.
الأزمة لم تعد أرقاماً فقط،
بل أصبحت واقعاً يومياً:
راتب لا يكفي،
عملة بلا قيمة ثابتة،
وغلاء يسبق قدرة الناس على الاحتمال.
وبين الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتعقيدات الواقع اللبناني وتشابكاته، يبقى السؤال:
هل ينجح هذا المؤتمر في فتح نقاش جدي ومسؤول…
أم أنه سيبقى ضمن حدود الرسائل السياسية المحسوبة؟
في ظل هذا الانهيار، يصبح السؤال أكبر:
ما قيمة أي نقاش سياسي، إذا كان المواطن فاقداً للأمان الاقتصادي؟
وما معنى الدولة، إذا لم تستطع أن تؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار؟
بيروت اليوم ليست فقط مدينة تبحث عن الأمان،
بل مدينة تُنزع منها قدرتها على الاستمرار.
الناس لا تطلب المستحيل،
لا تطلب شعارات،
ولا انقسامات جديدة…
بل تطلب شيئاً واحداً:
أن تعيش بكرامة.
لبنان لا يُنقذ بنزع طرف لصالح طرف،
بل يُنقذ حين تعود الدولة فعلاً…
دولة تحمي، تنظّم، وتبني اقتصاداً حقيقياً.
الخاتمة:
حين يُنزع الأمان والاقتصاد… لا يبقى للوطن معنى.
