في كل مرة يعتقد فيها الناس أن لبنان بدأ يلتقط أنفاسه، تعود الحرب لتذكر الجميع بأن هذا البلد الصغير لم يعرف السلام الحقيقي منذ أكثر من خمسين عامًا. جيل بعد جيل كبر تحت صوت القصف، وتعلم الأطفال معنى الحرب قبل أن يتعلموا معنى الطمأنينة. وكأن الحرب أصبحت قدرًا يلاحق هذا الوطن المقاوم، لا يغيب طويلًا قبل أن يعود.
اليوم تتكرر المشاهد المؤلمة: عائلات تغادر منازلها على عجل، أمهات يحملن أطفالهن وقلوبهن مليئة بالقلق، وآباء يحاولون أن يخفوا خوفهم أمام أسرهم. آلاف اللبنانيين أصبحوا نازحين في بلادهم، يتركون خلفهم بيوتًا ربما لن يعودوا إليها قريبًا، وذكرياتٍ قد تتحول إلى رماد تحت القصف.
في الطرقات المزدحمة، تسير السيارات محمّلة بالحياة التي حاول الناس إنقاذها في لحظات الهروب. حقائب صغيرة، صور عائلية، وأشياء بسيطة تختصر حياة كاملة. لكن ما لا يمكن حمله في الحقائب هو الألم، والخوف، والشعور بأن هذه المأساة تكررت مرات كثيرة من قبل.
المؤلم أن هذه الحرب ليست الأولى، وربما لن تكون الأخيرة. فمنذ عقود طويلة يعيش لبنان بين هدنة مؤقتة وأزمة جديدة، وكأن السلام فيه مجرد استراحة قصيرة بين حربين. ومع كل جولة صراع احتلالية، يكبر السؤال في قلوب اللبنانيين: هل سيأتي يوم يعيش فيه هذا البلد المقاوم من دون احتلال؟
وفي خضم هذه المعاناة، يشعر كثيرون بأن صوت العالم العربي معدوم أمام ما يحدث. لا أستنكار يذكر، والكلمات وحدها لا تكفي أمام معاناة العائلات التي فقدت الأمان، ولا أمام الأطفال الذين حُرموا من حقهم البسيط في العيش بسلام.
لكن لبنان ليس وحده. فهناك أبناء هذا الوطن المنتشرون في كل أنحاء العالم، يحملون وطنهم في قلوبهم أينما ذهبوا. ونحن، كجزء من الجالية اللبنانية في باريس وفي أنحاء فرنسا، نقف إلى جانب أهلنا في هذه المحنة. قد نكون بعيدين جغرافيًا، لكن قلوبنا هناك، مع كل عائلة نزحت، ومع كل طفل خائف، ومع كل بيت مهدد بالدمار.
سنرفع صوتنا قدر المستطاع، في الشوارع، وفي الإعلام، وفي كل مكان يمكن أن يصل إليه صوت الحقيقة المقاوم. سنبقى نتحدث عن معاناة أهلنا، ونطالب بالسلام والعدالة، لأن الصمت أمام الألم ليس خيارًا.
لبنان المقاوم بالنسبة لنا ليس مجرد وطن على الخريطة، بل هو ذاكرة وهوية وحياة. ولهذا سنبقى نؤمن أن هذا البلد، رغم كل الجراح، سيبقى قادرًا على النهوض. فلبنان الذي صمد خمسين عامًا وسط العواصف، لا بد أن يأتي يوم يرى فيه فجر السلام الالهي.
