منذ صدور قرار وزيرة التربية والتعليم العالي رقم 17/م/2026، والذي ترك تقييم الوضع الأمني وسلامة المدارس بيد إداراتها، بدأت بعض مدارس العاصمة بيروت باتخاذ قرارات أثارت قلقاً واسعاً في صفوف الأهالي والطلاب. فقد عمدت هذه المدارس إلى إلزام المتعلمين بالحضور إلى الصفوف، مع إلغاء خيار التعلم عن بعد بشكل كامل.
ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل وصل في بعض الحالات إلى حدّ تهديد الطلاب بشكل غير مباشر، عبر إبلاغهم أن أي تغيب عن الحضور سيكون على مسؤوليتهم الشخصية، وأن المدرسة لن تعيد شرح الدروس أو تعوّض ما فاتهم من مواد تعليمية، تحت ذريعة أن الوضع الأمني “مستقر” ولا يستدعي القلق أو الهلع، وأن الأمر يتعلق بمستقبلهم الدراسي.
إلا أن هذا الطرح يصطدم بواقع مقلق عاشته العاصمة خلال الأسبوع الماضي، حيث شهدت بيروت سلسلة تطورات أمنية وتهديدات متكررة، بصرف النظر عن مدى صحتها أو دقتها، إلى جانب اعتداءات واستهدافات مفاجئة ومتكررة في مناطق مختلفة، ما أدى إلى اتساع دائرة القلق والخطر على حياة المواطنين، وفي مقدمتهم الطلاب.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن تحميل الطلاب وأهاليهم مسؤولية الاختيار بين سلامتهم الشخصية ومستقبلهم الدراسي؟
إننا نتوجه إلى وزارة التربية والتعليم العالي بالتأكيد أن ما يحدث لا يمت بصلة إلى مبادئ التربية الوطنية أو المسؤولية الاجتماعية، ولا يراعي الجوانب النفسية والصحية والتعليمية للطلاب. فالتعليم لا يمكن أن يتحقق تحت ضغط الخوف أو التهديد، ولا يمكن أن تُفرض بيئة تعليمية تتجاهل أبسط معايير الأمان.
كما نحذر من أن تهديد الطلاب وتحميلهم مسؤولية ما يُعرف بـ”الفاقد التعليمي” هو أمر مرفوض رفضاً قاطعاً. فلا يجوز أن يُجبر الطالب على الحضور إلى المدرسة تحت طائلة أن يتحمل وحده مسؤولية الدروس التي تفوته في حال اختار البقاء في منزله حفاظاً على سلامته.
إن الصلاحيات التي منحتها الوزارة لإدارات المدارس يفترض أن تُستخدم لحماية الطلاب وتأمين بيئة تعليمية آمنة، لا أن تتحول إلى أداة ضغط عليهم. فالمتعلمون اليوم يعيشون أصلاً تحت ضغوط كبيرة نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، ولا يمكن إضافة أعباء جديدة على كاهلهم.
فحتى أبسط الرعاة يدركون أن رعاية أي قطيع تبدأ أولاً بحمايته وتأمين سلامته، قبل التفكير في تغذيته أو تنميته. فكيف إذا كانت المسؤولية تقع على عاتق قيادات تربوية يفترض بها أن تضع سلامة الطلاب وطمأنينتهم في مقدمة الأولويات، قبل أي اعتبار آخر

