تحقيق رامي ضاهر
هم شهداء الكلمة والحقيقة، أولئك الذين حملوا الكاميرا والميكروفون والقلم، ووقفوا في الميدان مراسلين ومصورين وإعلاميين لينقلوا الصورة والصوت كما هما، فكانوا الهدف قبل أن يكونوا الشهود. في لبنان، لم يكن الصحافي يومًا بعيدًا عن مرمى النيران، بل دفع كثيرون حياتهم ثمنًا لنقل الحقيقة، فيما سقط آخرون جرحى خلال أداء رسالتهم الإعلامية.
ومنذ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان، ارتقى عدد كبير من الإعلاميين والصحافيين والمصورين، كان من بينهم خلال حرب تموز 2006 المصوّران علي هاشم وجوزيف سكاف، فيما شكّل العام 2023 محطة دامية مع استشهاد مصوّر رويترز عصام العبدالله، ومراسلة قناة الميادين فرح عمر، والمصوّر ربيع معماري.
وفي التصعيد اللاحق، انضم إلى قافلة الشهداء مراسل قناة المنار علي شعيب، والصحافية أمل خليل، والصحافية فاطمة فتوني، والمصوّر محمد فتوني، فيما أصيب عدد من الإعلاميين بجروح متفاوتة، من بينهم الصحافية زينب فرج، إلى جانب مراسلين ومصورين آخرين خلال الاعتداءات على الجنوب اللبناني.
وبحسب المعطيات الميدانية والتقديرات النقابية، بلغ عدد الشهداء منذ أواخر عام 2023 حتى اليوم 27 شهيدًا بين صحافي وإعلامي ومصور، إضافة إلى عشرات الجرحى الذين أصيبوا أثناء التغطية المباشرة.
حرية الصحافة وحماية الإعلاميين… قوانين محلية ودولية
إن استهداف الصحافيين لا يشكل فقط اعتداءً على الأفراد، بل انتهاكًا مباشرًا لحرية الإعلام وحق الناس في المعرفة. ففي لبنان، يكفل الدستور اللبناني حرية إبداء الرأي قولًا وكتابة، كما ينظم قانون المطبوعات اللبناني العمل الصحافي ويؤكد حماية حرية النشر ضمن الأصول القانونية.
أما دوليًا، فتنص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته التاسعة عشرة على حق كل إنسان في حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها، فيما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذا الحق باعتباره من الحقوق الأساسية.
وفي زمن الحروب، تعتبر اتفاقيات جنيف الصحافيين مدنيين يجب حمايتهم، ويشدد البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على ضرورة تأمين سلامتهم أثناء النزاعات المسلحة، بينما تدين قرارات الأمم المتحدة واليونسكو أي استهداف للإعلاميين.
نقيب المحررين جوزيف القصيفي: استهداف متعمّد وممنهج
وفي هذا الإطار، يؤكد جوزيف القصيفي أن ما يجري لم يعد حوادث متفرقة، بل سياسة استهداف واضحة، قائلاً:
“بات واضحًا أن إسرائيل تقتل الصحافيين عمدًا، وبتخطيط مسبق. هذا حال الزميلة الشهيدة البطلة آمال خليل التي سبق وأنذرها العدو بأنها ستكون هدفًا له وأن مصيرها القتل، وقد نفّذ تهديده ولو بعد حين. كذلك فإن مراسل قناة المنار علي شعيب كان أيضًا هدفًا لإسرائيل التي لم تخفِ ذلك.”
“أستطيع التأكيد بأن كل الشهداء الذين ارتقوا منذ أواخر العام 2023 حتى اليوم، والذين بلغ عددهم 27 شهيدًا بين صحافي وإعلامي ومصور، ارتقوا في استهداف إسرائيلي مباشر وعن سابق تصور وتصميم. الأمر لم يعد خافيًا على أحد، وأصبح في عهدة المؤسسات الأممية التي تعنى بحقوق الإنسان.”
“رحم الله الشهيدة خليل، والشفاء العاجل للزميلة زينب فرج، والرحمة لكل شهداء الصحافة والإعلام والمصورين في لبنان.”
الإعلامي جوزيف إبراهيم:
جريمة بحق الإعلام العالمي
من جهته، اعتبر جوزيف إبراهيم أن استهداف الإعلاميين في الميدان لا يطال أفرادًا فقط، بل يضرب جوهر الرسالة الإعلامية، قائلاً:
“تحية لروح كل الشهداء وبالأخص شهداء الإعلام الذين كانوا ينقلون الحقيقة وتم استهدافهم من أجل إخفاء هذه الحقيقة. ونحن نعلم تمامًا أن هناك قوانين دولية في الحروب لحماية هؤلاء المراسلين والإعلاميين المتواجدين في الميدان خلال الحروب.”
“ما حصل مع الإعلاميين ليس فقط جريمة بحقهم، إنما هو جريمة بحق الإعلام في كل أنحاء العالم وانتهاك علني لكل تلك القوانين. ما يحصل يشكل خطرًا كبيرًا، لأن حياة كل إعلامي أصبحت معرضة للاستهداف، وبات من يريد أن ينقل الحقيقة عليه أن يخاطر بنفسه أو يراهن بحياته الشخصية للقيام بواجبه.”
رئيسة اتحاد الصحفيين والصحفيات في لبنان آلسي مفرج: المطلوب محاسبة دولية
من جهتها، أكدت آلسي مفرج أن القانون الدولي واضح في حماية الصحافيين، مشيرة إلى أن:
“حسب اتفاقيات جنيف، وخاصة الرابعة، فإن الصحافيين محميون كمدنيين في ظل الحروب، واستهدافهم يعتبر جريمة حرب، وما تلاها من اتفاقيات مثل اليونسكو وبعض المفاهيم التي كرّسها القانون الدولي الإنساني لحماية الصحافيين في الميدان وعدم استهدافهم.”
وأضافت أن المطلوب اليوم لمحاسبة هذا الإجرام يتمثل في أربع خطوات أساسية:
“أولًا، أن يكون لدينا توثيق وتحقيق قضائي. ثانيًا، نحن بحاجة لاستحداث قانون يجرّم جرائم الحرب. ثالثًا، الطلب من مجلس حقوق الإنسان تشكيل لجنة تقصي حقائق بجرائم الحرب التي حصلت في لبنان. رابعًا، وهو الأهم، إعطاء الصلاحيات للمحكمة الجنائية الدولية وفق المادة 12 البند 3.”
وأوضحت أن لبنان ليس عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن هذه المادة تتيح للدول غير الأعضاء الاعتراف بصلاحيات المحكمة لفترة زمنية محددة للتحقيق بجرائم الحرب، لافتة إلى أن الحكومة السابقة اتخذت قرارًا في نيسان 2024 بإعطاء هذه الصلاحيات قبل أن تتراجع عنه لاحقًا.
إذاً يبقى استهداف الصحافيين محاولة لإسكات الصورة ومنع الحقيقة من الوصول إلى العالم. وبين الشهداء والجرحى، تتكرّس مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الإعلاميين ومحاسبة كل من يحاول تحويل الكلمة إلى هدف مشروع في زمن الحروب.



