في ظل الأوضاع المعقدة التي يعيشها لبنان منذ سنوات، تبرز حالة من الاستغراب والحيرة لدى كثير من أبناء الجالية اللبنانية، سواء في الداخل أو في الاغتراب، تجاه تصرفات بعض من رجال الدولة اللبنانية ومواقفهم من قضايا حساسة تمسّ كيان الوطن ووحدته. هذه الحيرة لا تنبع فقط من التحديات الخارجية، بل من التناقضات الداخلية التي باتت واضحة في طريقة التعاطي مع الأزمات.
فمن جهة، يلاحظ البعض أن هؤلاء لا يتخذون مواقف حازمة وواضحة تجاه ما يُوصف بالعدو، سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى جدية هذه المواقف وقدرتها على حماية السيادة الوطنية. ومن جهة أخرى، تتفاقم المشكلة داخليًا مع انتشار خطاب الفتنة والطائفية، الذي يُبث عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، دون رادع فعلي أو محاسبة جدية.
ما يزيد من الاستغراب هو أن بعض الأطراف التي ترفع شعار “الخوف على البلد” و”الحفاظ على الاستقرار”، هي نفسها التي تنخرط في خطاب تقسيمي أو تحريضي، يهدد النسيج الاجتماعي اللبناني. هذا التناقض بين القول والفعل يولّد شعورًا بعدم الثقة لدى المواطنين، ويطرح تساؤلات حول مصداقية هذه الجهات وأهدافها الحقيقية.
إن غياب المساءلة القانونية بحق من يثيرون النعرات الطائفية أو يساهمون في تأجيج الانقسام، يعكس خللًا عميقًا في بنية الدولة ومؤسساتها. فالدولة التي لا تحمي وحدة شعبها، ولا تضع حدًا لخطاب الكراهية، تفتح الباب أمام مزيد من التدهور والانقسام، وهو ما يخشاه اللبنانيون في كل مكان.
في النهاية، تبقى الحيرة قائمة: هل العجز هو السبب، أم أن هناك حسابات سياسية معقدة تمنع اتخاذ قرارات حاسمة؟ وبين هذا وذاك، يبقى الأمل بأن تعي الدولة خطورة المرحلة، وأن تتحمل مسؤولياتها في حماية الوطن، ليس فقط من التهديدات الخارجية، بل من الانقسامات الداخلية التي قد تكون أشد خطرًا.
كما يلفت النظر أيضًا أن هناك من يعمل بشكل متعمّد على افتعال المشاكل داخل بعض المناطق، بهدف زرع الانقسام وإظهار وكأن هناك صراعات كبيرة بين أبناء المنطقة الواحدة. تُضخَّم أحداث صغيرة أو فردية، وتُقدَّم على أنها خلافات عميقة، في حين أن الواقع يختلف تمامًا، إذ يعيش الناس في معظم الأحيان حالة من التعايش الطبيعي والاحترام المتبادل.
ويبدو أن هذا الأسلوب القائم على تضخيم الخلافات أو اختلاقها يسعى إلى خلق صورة غير حقيقية عن المجتمع اللبناني، وكأن أبناءه منقسمون بطبيعتهم. والحقيقة أن هذه المشاكل الكبيرة التي يتم الترويج لها، لا وجود لها أصلاً بهذا الحجم، بل يتم استخدامها كوسيلة لإثارة القلق والتوتر، وربما لتحقيق مكاسب سياسية أو طائفية على حساب وحدة الناس واستقرارهم.
لكن، وعلى الرغم من كل ذلك، تبقى الحقيقة الثابتة أن لبنان هو وطن واحد، وشعبه واحد. ففي كل بيت لبناني تجد تنوعًا في الطوائف والانتماءات، ومع ذلك يجمعهم الحب والانتماء لهذا الوطن. لا فرق بين ابن بيروت أو الجنوب أو الجبل أو البقاع أو طرابلس، فالجميع أهل وأحباب، تجمعهم الروابط الإنسانية والتاريخ المشترك، ويبقى لبنان بكل مناطقه وطوائفه قلبًا واحدًا لا يتجزأ.


مقالك يلامس واقعًا مؤلمًا بجرأة ووضوح، ويعكس وعيًا عميقًا وحسًا وطنيًا صادقًا في طرحك للقضايا الحساسة. بأسلوبك المتوازن وقدرتك على التعبير، نجحت في نقل هواجس اللبنانيين بين الانقسام والأمل، مؤكدًا أن وحدة الشعب تبقى أقوى من كل محاولات التفريق.