في يومٍ دامٍ جديد، شهد لبنان تصعيدًا غير مسبوق تمثل في أكثر من 120 غارة جوية للعدو الاسرائيلي نُفذت خلال دقائق معدودة، مستهدفة مناطق متفرقة من البلاد، وعلى رأسها العاصمة بيروت. هذا القصف العنيف والمكثف خلّف مشاهد مأساوية ودمارًا واسعًا، وأدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، معظمهم من المدنيين العزّل.
لقد كانت الكارثة أكبر من مجرد غارات عسكرية، إذ تحولت إلى مجازر حقيقية بحق الأبرياء، حيث سقط الأطفال والنساء وكبار السن تحت الأنقاض، دون أي إنذارات مسبقة تتيح لهم فرصة الهروب أو الاحتماء. في لحظات قليلة، تحولت الأحياء السكنية إلى ركام، وامتلأت المستشفيات بالمصابين في ظل إمكانيات محدودة وظروف إنسانية قاسية.
إن استهداف المدنيين بهذه الطريقة يثير تساؤلات خطيرة حول انتهاك القوانين الدولية والإنسانية، التي تحظر الاعتداء على غير المقاتلين وتلزم بحمايتهم أثناء النزاعات. كما يعكس حجم الألم الذي يعيشه الشعب اللبناني، الذي وجد نفسه مرة أخرى ضحية للعنف والتصعيد.
المشاهد القادمة من بيروت وبقية المناطق تُظهر حجم المأساة: عائلات بأكملها شُرّدت، وأخرى فقدت أبناءها، وأصوات الاستغاثة تعلو من تحت الأنقاض. فرق الإسعاف والدفاع المدني تعمل بلا توقف، في سباق مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وسط نقص في المعدات والموارد.
إن ما يحدث اليوم يكشف وجهًا قاسيًا لا يعرف الرحمة، حيث يُقتل الأطفال وتُسلب منهم أبسط حقوقهم في الحياة والأمان. فاستهداف الطفولة بهذا الشكل المروّع يعبّر عن فقدان كامل لمعاني الإنسانية، وكأن من يرتكب هذه الأفعال لا يعرف معنى الطفولة ولا يدرك براءتها، بل يحوّلها إلى ضحية في مشاهد لا يمكن تبريرها أو السكوت عنها.
وتقع على عاتق الحكومة مسؤولية واضحة في إدانة هذه الغارات الوحشية التي استهدفت المناطق السكنية المدنية في بيروت وضواحيها وسائر الأراضي اللبنانية، والعمل على توصيفها كجرائم حرب تستوجب المساءلة. كما يُفترض بها التحرك الدبلوماسي العاجل لحشد الدعم الدولي، والضغط عبر المؤسسات الأممية من أجل وقف هذه الاعتداءات فورًا، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القوانين الدولية.
ومن جهة أخرى، يبرز مجددًا تنصل العدو الاسرائيلي من اتفاق وقف إطلاق النار، إذ لم يكن هذا الخرق الأول، بل يأتي ضمن سياق متواصل امتد لأكثر من خمسة عشر شهرًا، لم يخلُ خلالها يوم من استهداف بلدة أو حي في لبنان. هذا السلوك يعكس استهتارًا واضحًا بالاتفاقات الدولية، ويقوّض أي جهود لتحقيق الاستقرار، ويُبقي البلاد في دائرة الخطر والتصعيد المستمر.
كما يُشار إلى أن إيران كانت قد وضعت ضمن بنود اتفاق وقف إطلاق النار شرطًا واضحًا يقضي بوقف إطلاق النار في لبنان كجزء أساسي من التفاهم، على أن يؤدي الإخلال بهذا البند إلى سقوط الاتفاق بالكامل. إلا أن استمرار الغارات والتصعيد يعكس تجاهلًا لهذه الشروط، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري في المنطقة.
في ظل هذه الأحداث، تتصاعد الدعوات لوقف فوري لهذا التصعيد، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم، وضمان حماية المدنيين من تكرار مثل هذه المآسي.

