يشكّل موضوع إلغاء تجريم التعامل مع إسرائيل واحدًا من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في السياق اللبناني، حيث يتداخل القانوني بالسياسي، والتاريخي بالسيادي. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتجربته التاريخية، لا ينظر إلى هذه المسألة كخيار تقني أو إداري بسيط، بل كقضية تمس جوهر هويته الوطنية وأمنه القومي.
من الناحية القانونية، يستند تجريم التعامل مع إسرائيل في لبنان إلى مجموعة من النصوص، أبرزها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، إضافة إلى مواد في قانون العقوبات تجرّم الاتصال بالعدو أو التعامل معه. هذه القوانين لم تأتِ من فراغ، بل جاءت في سياق صراع عربي–إسرائيلي طويل، واحتلال مباشر لأراضٍ لبنانية استمر لسنوات، فضلًا عن اعتداءات متكررة تركت آثارًا عميقة في الوعي الجماعي اللبناني.
أما من الناحية السياسية، فإن أي طرح لإلغاء هذا التجريم يصطدم بواقع داخلي معقّد. فلبنان ليس دولة ذات موقف موحّد تمامًا في قضاياه الاستراتيجية، بل هو ساحة توازنات دقيقة بين قوى سياسية وطائفية متعددة، لكل منها رؤيتها للعلاقة مع إسرائيل. ومع ذلك، يبقى هناك شبه إجماع على اعتبار إسرائيل “دولة عدوة”، خاصة في ظل استمرار النزاع الحدودي ومحاولة احتلال القرى والحرب القائمة للعدو الإسرائيلي ضد لبنان.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن تجاهل دور المقاومة في المعادلة اللبنانية، حيث تعتبر شريحة واسعة من اللبنانيين أن الصراع مع إسرائيل لم ينتهِ بعد، وأن أي خطوة نحو تطبيع أو تخفيف القيود القانونية قد تُفسَّر كتنازل مجاني أو كضربة لمفهوم الردع. وبالتالي، فإن إلغاء تجريم التعامل لا يُنظر إليه كإصلاح قانوني، بل كتحوّل استراتيجي كبير يتطلب توافقًا وطنيًا غير متوافر حاليًا.
على الصعيد الإقليمي، قد تبدو بعض الدول العربية وكأنها تتجه نحو إعادة تعريف علاقاتها مع إسرائيل، إلا أن لبنان يختلف في وضعه. فهو لا يملك الحرية باتخاذ قرارات منفصلة عن تاريخه القريب أو واقعه الأمني. فحدوده الجنوبية ما تزال منطقة توتر، وأي انفتاح غير محسوب قد ينعكس مباشرة على استقراره الداخلي.
كما أن البعد الشعبي لا يقل أهمية عن البعدين القانوني والسياسي. فالرأي العام اللبناني، رغم تنوعه، ما يزال يحمل ذاكرة حية للحروب والاعتداءات، وهو ما يجعل تقبّل فكرة إلغاء التجريم أمرًا بالغ الصعوبة. فالقوانين، في نهاية المطاف، لا تعيش بمعزل عن المجتمع، بل تستمد مشروعيتها من قبوله لها.
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن لبنان لا يستطيع ببساطة إلغاء قانون تجريم التعامل مع إسرائيل دون المرور بتحولات عميقة على مستويات متعددة: سياسية، وأمنية، واجتماعية. فالمسألة ليست مجرد تعديل نص قانوني، بل إعادة صياغة لموقع لبنان في الصراع الإقليمي، وهو أمر يتجاوز قدرته الحالية في ظل الانقسامات الداخلية والظروف الإقليمية المعقدة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال موقف الشارع اللبناني، الذي يُعد عاملًا حاسمًا في أي نقاش من هذا النوع. فشريحة واسعة من اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، ما تزال ترى في إسرائيل عدوًا مباشرًا، وترفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال التطبيع أو التعامل معها. هذه القناعة ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل هي نتاج عقود من الصراع والاعتداءات والتجارب المريرة التي عاشها اللبنانيون. لذلك، حتى لو حاولت الدولة، تحت أي ظرف داخلي أو خارجي، تمرير قانون يلغي تجريم التعامل مع إسرائيل، فمن المرجّح أن يواجه رفضًا شعبيًا واسعًا، قد يترجم بتحركات في الشارع أو ضغوط سياسية كبيرة. فالقوانين التي تمس قضايا سيادية وحساسة كهذه لا يمكن فرضها من الأعلى، بل تحتاج إلى قبول مجتمعي عميق. وأي نقاش جدي حول هذا الموضوع يجب أن ينطلق من فهم شامل لهذا الواقع، لا من اعتبارات ظرفية أو ضغوط خارجية.
