إن احترام القوانين لا يولد فجأة في مرحلة البلوغ، بل هو سلوكٌ يُبنى منذ الصغر ويترسّخ عبر التربية والتجربة. فالشباب ليسوا بطبيعتهم رافضين للنظام، بل يتأثرون بالبيئة التي ينشؤون فيها. وعندما يغيب النموذج الصالح، يصبح من الصعب إقناعهم بقيمة القانون وأهميته.تلعب الأسرة الدور الأول في غرس احترام القوانين، من خلال تعليم الأبناء معنى الالتزام والانضباط. فعندما يرى الشاب أن القواعد تُحترم داخل المنزل، وأن الحقوق والواجبات متوازنة، ينشأ وهو يدرك أن النظام ليس قيدًا، بل ضمانة للعدالة والاستقرار.أما المدرسة، فهي المؤسسة التي تُحوّل هذا المفهوم إلى وعيٍ أوسع. فالتربية المدنية، إذا قُدمت بأسلوبٍ عملي وتفاعلي، تُساعد الشباب على فهم دور القانون في حماية المجتمع. إن التعليم الذي يربط بين القواعد والحياة اليومية، يجعل الطالب يقتنع بها بدل أن يراها مفروضة عليه.لكن المشكلة لا تكمن فقط في التعليم، بل في التطبيق. فالشباب يفقدون ثقتهم بالقانون عندما يرون أنه يُطبّق بشكلٍ انتقائي. لذلك، فإن العدالة في التنفيذ هي الشرط الأساسي لبناء احترام حقيقي للقوانين، لأن القناعة لا تُفرض، بل تُكتسب من خلال الممارسة العادلة.كما أن الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل وعي الشباب. فإبراز النماذج الإيجابية، وتسليط الضوء على أهمية احترام القانون، يمكن أن يُغيّر الصورة النمطية التي تربط الالتزام بالضعف أو الخضوع. إن الخطاب الإعلامي الواعي يُسهم في بناء ثقافة قانونية صحية.ولا يمكن إغفال دور الدولة في خلق بيئة تُشجّع على الالتزام. فحين تُوفّر الدولة فرصًا عادلة، وتحارب الفساد، وتُعزز الشفافية، يشعر الشاب بأن القانون يحميه لا يقيّده. وهذا الشعور هو ما يدفعه إلى احترام النظام والمساهمة في الحفاظ عليه.في النهاية، إن بناء جيلٍ يحترم القوانين ليس مهمة جهة واحدة، بل هو مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والدولة، والمجتمع ككل. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يتحول احترام القانون من واجبٍ مفروض إلى قناعة راسخة. عندها فقط، يمكن للمجتمع أن ينعم بالاستقرار، ويُؤسس لمستقبلٍ يقوم على العدالة والثقة.الأستاذ راشد شاتيلا محلل سياسي لبناني خبير في الذكاء الاصطناعي و إدارة البيانات.
