من يقرأ النقاشات بين اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي، يكاد لا يصدق أن هذا الشعب هو نفسه الذي قدّم للشرق أول مطبعة، وصدّر الفكر والأدب والصحافة إلى العالم العربي. منصات كان يُفترض أن تكون مساحة للتواصل، تحولت إلى ميادين للتجريح والشتائم والتخوين، وكأنها مرآة لأزمة وطن يعيش انقساماته بكل تفاصيلها.يكفي أن يكتب أحدهم منشوراً سياسياً ليختلف معه البعض، حتى تنهال التعليقات وكأنها قذائف كلامية سباب، تخوين، اتهامات بالعمالة، وشتائم تطال الأهل والمعتقدات. المشهد يتكرر يومياً، من مختلف الأطراف والانتماءات، في انحدار لغوي وأخلاقي يكاد يختصر حال الانهيار العام.المؤلم أكثر أن اللبناني الذي لطالما افتخر بأن أجداده اخترعوا الحرف وبنوا السفن ونقلوا المعرفة، صار اليوم أسيراً لخطابٍ يفتقر إلى أبسط قواعد الاحترام. لبنان الذي كان يوصف بأنه منارة ثقافية وإعلامية في المنطقة، يعيش اليوم على وقع انحدار في الوعي المجتمعي، حيث صارت الشتيمة أسرع وسيلة للتعبير.المشكلة ليست فقط في الشتائم، بل في ما تعكسه أزمة أخلاقية عميقة، إنها صورة مصغّرة عن مأزق بلد غارق في الانقسامات وشعبه مستنزف في معارك على الفضاء الافتراضي،وربما آن الأوان للتذكير بأن قوة الكلمة لا تكمن في قدرتها على الإيذاء، بل في قدرتها على بناء الجسور بين المختلفين. فالأوطان لا تُبنى بالصراخ ولا بالتخوين، بل بالحوار والاختلاف المسؤول. وإذا كان الفضاء الافتراضي يعكس حال المجتمع، فإن استعادة الحد الأدنى من أخلاقيات النقاش قد تكون الخطوة الأولى نحو استعادة شيء من روح لبنان التي عرفها العالم يوماً وطن الكلمة الحرة، لا الكلمة الجارحة.
