لم يكن العيد يومًا مجرّد تاريخ على الروزنامة… كان حالة، كان فرحة صغيرة نخبّئها في قلوبنا ونركض بها من بيتٍ إلى بيت.
كنّا، رغم كل شيء، نلبس أجمل ما عندنا، نمسك أيدي أهلنا، ونمشي نحو بيت “الست” و”الجد”، حيث العيد له طعم آخر… طعم الحلوى، ورائحة القهوة، ودفء العائلة.
وكان للعيد طقس لا يتغيّر…
في صباحه الأول، كنّا نزور المدافن.
نمشي بهدوء، نحمل في قلوبنا شوقًا وحنينًا، نقرأ الفاتحة على أرواح من سبقونا، نهمس بأسمائهم، وكأننا نعيد وصل ما انقطع.
هناك، كنّا نفهم أن العيد ليس فقط للفرح… بل للذكرى أيضًا، للوفاء، وللحب الذي لا ينتهي.
كانت العيدية أكثر من مال… كانت ابتسامة، كانت اهتمامًا، كانت شعورًا بأننا لسنا وحدنا.
كنّا نزور عمومتنا، إخوتنا، نضحك، نلعب، ننسى الدنيا، وكأن العيد يحمينا من كل شيء.
أما اليوم…
العيد يأتي خجولًا، يطرق الأبواب بحذر.
حرب، خوف، قلق، وقلوب مثقلة بالتفكير: هل نزور؟ هل نخرج؟ هل نفرح؟
حتى زيارة المدافن تغيّرت…
بعضهم لا يستطيع الوصول، وبعضهم يقرأ الفاتحة من بعيد، وبعضهم يحمل حزنه بصمت لأن الطريق لم تعد آمنة كما كانت.
لم تعد الطرقات آمنة كما كانت، ولم تعد الضحكة سهلة كما في السابق.
كثيرون فقدوا القدرة على الاحتفال، وكثيرون باتوا يحسبون خطواتهم بدل أن يركضوا نحو الفرح.
لكن، رغم كل هذا…
العيد لا يموت.
ربما لم نعد نستطيع زيارة الجميع،
ربما العيدية صارت أبسط،
وربما اللقاءات أقصر…
لكن الحب ما زال موجودًا.
اليوم، العيد يمكن أن يكون اتصالًا هاتفيًا يطمئن قلب أم،
أو زيارة سريعة تحمل معها دعوة صادقة،
أو حتى جلسة صغيرة مع العائلة الأقرب، فيها ضحكة خفيفة تكسر ثقل الأيام.
وفي لحظة هدوء…
نقرأ الفاتحة، سواء عند المدافن أو من داخل بيوتنا،
فنكتشف أن الذين رحلوا ما زالوا معنا… في الدعاء، في الذكرى، وفي هذا العيد الذي نحاول أن نحافظ عليه حيًّا.
في زمن الحرب، العيد ليس كما كان…
لكنه يصبح أعمق.
يصبح فعل تمسّك بالحياة، وإصرارًا على أن نبقى بشرًا، نحب، نلتقي، ونفرح ولو قليلًا.
العيد اليوم ليس بما نملك…
بل بمن نحتضن، بمن نتذكر، وبمن نختار أن نبقى إلى جانبهم رغم كل شيء.
