في بلدٍ أنهكته الأزمات وتنازعته الانقسامات، لم تكن الحرب وحدها هي التحدّي، بل الحصار الذي ضاق على اللبنانيين من كل الجهات، حتى كاد البلد أن يُعزل بالكامل عن محيطه والعالم.
مع تعقّد الأوضاع على الحدود وإقفال المعابر البرّية، وجد لبنان نفسه محاصَراً فعلياً، وبيروت تختنق تحت الضغط، فيما اللبنانيون يواجهون مصيراً مجهولاً، بين خوفٍ من العزلة وخشيةٍ من انقطاع آخر شريان يربطهم بالخارج.
وفي وقتٍ انشغل فيه كثير من السياسيين بخلافاتهم وحساباتهم الضيّقة، وغابت القرارات الحاسمة التي ينتظرها الناس، برزت مؤسسات قرّرت أن تتحمّل مسؤولياتها بدل أن تختبئ خلف الواقع.
طيران الشرق الأوسط لم يكن مجرّد شركة طيران في تلك اللحظة، بل تحوّل إلى خط الدفاع الأخير عن تواصل لبنان مع العالم. قرار إبقاء مطار بيروت مفتوحاً لم يكن تفصيلاً، بل موقفاً في وجه الحصار، ورسالة بأن هذا البلد لن يُغلق ولن يُترك وحيداً، محمد الحوت، رئيس مجلس إدارة الشركة، أدار هذه المرحلة بثباتٍ لافت، محافظاً على استمرارية العمل رغم المخاطر، ومؤمّناً بأن بقاء المطار مفتوحاً هو أكثر من ضرورة تشغيلية… هو واجب وطني في لحظة مصيرية.
لقد أثبتت هذه التجربة أن هناك من يعمل حين يتراجع الآخرون، وأن المؤسسات التي تُدار بعقلٍ ومسؤولية تستطيع أن تواجه حتى أقسى الظروف، عندما يتحوّل الحصار إلى واقع يومي.
فالتحية لكل من عمل في طيران الشرق الأوسط، من طيارين وموظفين وعاملين، لأنهم لم يسمحوا بأن يُطفأ آخر ضوء في هذا البلد، ولم يقبلوا أن يُغلق باب لبنان في وجه أبنائه والعالم.
وفي زمن الحصار… لا تُقاس المواقف بالكلام، بل بمن يفتح الطريق حين تُغلق كل الطرق.
