في وقت يمرّ فيه لبنان بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة، يعود الإعلام ليتحمّل مسؤولية وطنية وأخلاقية كبيرة في الحفاظ على السلم الأهلي وتهدئة النفوس، لا في زيادة الانقسام بين الناس. ومن هنا، تصاعد الجدل في الأيام الأخيرة حول برنامج “مش مسرحية” الذي تقدّمه الإعلامي جو معلوف عبر شاشة MTV، بعد تقدّم مجموعة من المحامين والتربويين والناشطين اللبنانيين بطلب إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت لوقف بث البرنامج.
الطلب القضائي اعتبر أنّ البرنامج يشكّل خطراً على السلم الأهلي، خصوصاً بسبب طبيعة المواضيع المطروحة والأسلوب الذي تُدار به الحلقات، إضافة إلى إشراك الأطفال والقاصرين في نقاشات حساسة تتعلق بالطائفية والانقسامات الاجتماعية والسياسية.
الجهات التي تقدّمت بالطلب، من محامين وتربويين وناشطين، اعتبرت أنّ البرنامج لا يكتفي بطرح قضايا حساسة، بل يساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تأجيج الخطاب الطائفي والمذهبي بين الشباب، خصوصاً مع إشراك القاصرين والأطفال في نقاشات تتناول قضايا شديدة الحساسية ضمن أسلوب وصفه المنتقدون بـ”الاستفزازي وغير المهني”. ويرى المنتقدون أنّ إعطاء مساحة مفتوحة للشباب لطرح مواقفهم الطائفية والمذهبية من دون توجيه أو ضبط إعلامي مسؤول، لا يندرج ضمن حرية التعبير بقدر ما يفتح الباب أمام مزيد من الشحن والانقسام داخل المجتمع اللبناني، خاصة في ظل الظروف الدقيقة التي يعيشها البلد.
كما أشار المنتقدون إلى أنّ المشاهد الذي يتابع هذه الحلقات، سواء من داخل لبنان أو خارجه، قد يخرج بصورة سوداوية عن المجتمع اللبناني وكأنّه غارق بالكامل بالكراهية والانقسامات، ما ينعكس سلباً على صورة لبنان ووحدته الاجتماعية، بدل أن يكون الإعلام مساحة للحوار الهادئ والتقارب بين الناس.
ويرى كثيرون أنّ حرية التعبير لا تعني تحويل الشاشة إلى منبر لإثارة الغرائز الطائفية أو فتح المجال أمام خطاب قد يؤدي إلى توتير الشارع اللبناني، خصوصاً أنّ لبنان دفع خلال عقود أثماناً باهظة نتيجة الانقسامات والتحريض المذهبي. فالإعلام، بحسب منتقدي البرنامج، يجب أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة، وأن يقدّم مساحة للنقاش المسؤول الذي يعزّز الوعي والانتماء الوطني بدل تكريس الانقسام.
كما أثارت بعض الحلقات اعتراضات إضافية بسبب ما اعتبره مقدّمو الدعوى تجاوزاً لقانون البث التلفزيوني والإذاعي، لناحية الترويج لأفكار تمسّ الثوابت الوطنية وتثير حساسيات كبيرة داخل المجتمع اللبناني.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين اليوم: هل المطلوب من الإعلام معالجة مشاكل المجتمع بحكمة ومسؤولية؟ أم تحويل الخلافات والطائفية إلى مادة إعلامية هدفها رفع نسب المشاهدة وإثارة الجدل؟
لبنان الذي أنهكته الأزمات والحروب والانقسامات، لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الشحن والتحريض، بل إلى إعلام يقرّب بين الناس، ويحمي الجيل الجديد من لغة الكراهية، ويعيد التأكيد أنّ الاختلاف لا يجب أن يتحوّل إلى فتنة.
