في وقتٍ يواجه فيه لبنان تحديات أمنية واقتصادية متفاقمة، برز دور علمي وتقني لافت يقوده المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، حيث نجح فريق من الباحثين والخبراء اللبنانيين في توظيف أحدث التقنيات العالمية لتوثيق الأضرار الناتجة عن الحرب وتقديم بيانات دقيقة للجهات الرسمية وصنّاع القرار.
وسلّطت صحيفة «لوموند» الفرنسية الضوء على هذا الجهد العلمي الذي يجمع بين صور الأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد حجم الدمار الذي لحق بالمناطق اللبنانية المتضررة. ويعتمد المشروع على تحليل صور فضائية عالية الدقة ومقارنتها ببيانات سابقة لتحديد الأبنية المتضررة والبنية التحتية التي تعرضت للتدمير، إضافة إلى تقدير الخسائر الاقتصادية والبيئية بشكل أكثر دقة وسرعة من الأساليب التقليدية.
ويُعد هذا العمل نموذجاً متقدماً للتعاون بين البحث العلمي ومتطلبات الدولة، إذ يوفر للمؤسسات الرسمية قاعدة بيانات موثوقة تساعد في توجيه جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، كما تسهم في إعداد التقارير التي تُقدَّم إلى الجهات الدولية المانحة والمؤسسات الإنسانية.
ويرى خبراء أن أهمية هذه المبادرة لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تعكس أيضاً قدرة الكفاءات اللبنانية على الابتكار والعمل في ظروف بالغة الصعوبة. فبينما تعاني مؤسسات الدولة من ضغوط مالية وإدارية كبيرة، يواصل الباحثون اللبنانيون تطوير أدوات علمية حديثة تضع لبنان في مصاف الدول التي تعتمد التكنولوجيا المتقدمة في إدارة الكوارث والأزمات.
كما يفتح هذا المشروع الباب أمام استخدامات أوسع للذكاء الاصطناعي في لبنان، سواء في مجالات التخطيط العمراني أو إدارة الموارد الطبيعية أو مراقبة المخاطر البيئية. ويؤكد المختصون أن البيانات الدقيقة أصبحت اليوم عنصراً أساسياً في أي عملية إعادة إعمار ناجحة، وأن التكنولوجيا الحديثة قادرة على اختصار أشهر من العمل الميداني وتحويلها إلى تحليلات سريعة وموثوقة.
ويحمل الاهتمام الذي أبدته وسائل الإعلام الفرنسية بهذا الإنجاز رسالة واضحة مفادها أن لبنان، رغم الأزمات المتلاحقة، لا يزال يمتلك طاقات علمية وبحثية قادرة على إنتاج المعرفة وتقديم حلول عملية للمشكلات الوطنية الكبرى. ففي قلب المشهد الصعب الذي يعيشه البلد، يواصل العلماء والباحثون اللبنانيون إثبات أن العلم يمكن أن يكون أحد أهم أدوات الصمود وإعادة البناء.

