في قلب العاصمة الفرنسية باريس، يستضيف Institut du Monde Arabe حدثًا ثقافيًا استثنائيًا يتمثل في معرض “جبيل، مدينة لبنانية عريقة”، الذي يُعد نافذة حضارية تطلّ منها أوروبا على واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم.
يمتد المعرض من 24 مارس إلى 23 أغسطس 2026، ويهدف إلى إبراز الدور التاريخي والثقافي لمدينة جبيل، التي يعود تاريخها إلى أكثر من 8000 سنة، حيث شكّلت عبر العصور مركزًا تجاريًا وحضاريًا مهمًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وملتقى لطرق التجارة والثقافات.
كنوز أثرية تروي التاريخ
يضم المعرض حوالي 400 قطعة أثرية نادرة، قادمة من مؤسسات مرموقة مثل المتحف الوطني في بيروت ومتحف اللوفر، ما يمنح الزائر تجربة غنية ومتكاملة في استكشاف تاريخ المدينة.
ومن أبرز المعروضات:
مجوهرات ذهبية مرصعة بالأحجار الكريمة
أوانٍ أثرية من الذهب والفضة
أسلحة وزخارف ملكية
آثار من المقابر الملكية والمعابد القديمة
كما يسلّط المعرض الضوء على أحدث الاكتشافات الأثرية، مثل بقايا ميناء جبيل القديم، ومقبرة ملكية تعود إلى العصر البرونزي، ما يعزز فهمنا لتطور هذه المدينة عبر العصور.
معرض في ظل التحديات
ما يميّز هذا الحدث لا يقتصر على قيمته التاريخية، بل يتعداه إلى السياق الذي يُقام فيه. فقد واجه تنظيم المعرض تحديات كبيرة بسبب الأوضاع الأمنية في لبنان، ما أدى إلى تأجيله من عام 2024 إلى 2026، إضافة إلى صعوبات في نقل بعض القطع الأثرية.
ولعلّ أبرز ما يعكس هذه التحديات هو غياب بعض المعروضات، حيث تُركت أماكنها فارغة داخل القاعات، في إشارة رمزية إلى الخسارة الثقافية التي تعاني منها البلاد. وقد وصف القائمون على المعرض هذا الحدث بأنه “شكل من أشكال المقاومة الثقافية” في وجه الحرب والدمار وتحدً بارز بوجه العدو الغاصب حتى للثقافات.
رسالة تتجاوز الزمن
لا يقتصر المعرض على عرض آثار قديمة، بل يحمل رسالة أعمق تتجلى في:
التأكيد على هوية لبنان الثقافية
إبراز غنى تراثه رغم الأزمات
ربط الماضي بالحاضر من خلال قصة شعب يحافظ على ذاكرته
فالمعروضات لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تعبّر عن صمود شعب وثقافة في وجه التحديات، وعن قدرة الحضارة على البقاء رغم كل الظروف.
إن معرض جبيل في معهد العالم العربي ليس مجرد حدث ثقافي، بل هو دعوة لاكتشاف لبنان من زاوية مختلفة؛ لبنان الحضارة والتاريخ، لا لبنان الأزمات فقط.
إنه تذكير بأن هذا البلد، رغم كل ما يمر به، لا يزال يحمل إرثًا إنسانيًا غنيًا يستحق أن يُروى ويُحتفى به… من جبيل إلى باريس، ومن الماضي إلى الحاضر.
