افتتح إيمانويل ماكرون، رئيس الجمهورية الفرنسية، في معهد العالم العربي بباريس معرض “بيبلوس، مدينة لبنانيّة عريقة”، في حدث ثقافي بارز يعكس عمق العلاقات التاريخية والثقافية بين فرنسا ولبنان، ويعيد تسليط الضوء على واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم جبيل.
شهد حفل الافتتاح حضور شخصيات رسمية وثقافية رفيعة، من بينها وزيرة الثقافة الفرنسية آن-كلير ليجاندر، ووزير الثقافة اللبناني غسان سلامة، إلى جانب السفير اللبناني لدى فرنسا ربيع الشاعر، والنائب زياد الحواط، والنائب سيمون أبي رميا، ورئيس بلدية جبيل الدكتور جوزف الشامي، وعضو المجلس البلدي شادي الخوري، ما أضفى على المناسبة طابعًا دبلوماسيًا وثقافيًا مميزًا.
جبيل: ذاكرة المتوسط الحيّة
ليست جبيل مجرد مدينة أثرية، بل هي شاهد حيّ على نشأة الحضارات وتفاعلها. فمنذ آلاف السنين، لعبت دورًا محوريًا في ربط الساحل اللبناني بمناطق كبرى مثل مصر وبلاد الرافدين والعالم الإيجي. وقد شكّلت مركزًا تجاريًا وثقافيًا نشطًا، حيث أقامت علاقات وثيقة مع الفراعنة، وأسهمت بشكل بارز في نشر الأبجدية الفينيقية، التي تعدّ حجر الأساس للعديد من الأبجديات الحديثة.
معرض يعيد إحياء التاريخ
يأتي هذا المعرض ثمرة تعاون ثقافي دولي بين معهد العالم العربي ووزارة الثقافة اللبنانية والمديرية العامة للآثار، وبمساهمة مميزة من متحف اللوفر، إضافة إلى متحف الآثار في لايدن. ويضمّ مجموعة نادرة من القطع الأثرية التي توثّق تاريخ جبيل، وتبرز مكانتها كـ”مدينة الحرف” ومهد للكتابة.
من خلال هذا العرض، لا يكتفي الزائر بمشاهدة آثار صامتة، بل يخوض رحلة عبر الزمن، يتعرّف فيها إلى التحولات الحضارية التي شهدتها المدينة، وإلى دورها في تشكيل هوية حوض البحر الأبيض المتوسط.
الثقافة كجسر بين الشعوب
يتجاوز المعرض بُعده التاريخي ليحمل رسالة معاصرة، مفادها أن الثقافة لا تزال أحد أقوى الجسور التي تربط بين الشعوب. فاختيار باريس، المدينة العالمية للفن والثقافة، لاستضافة هذا الحدث، يعكس رغبة مشتركة في تعزيز الحوار الثقافي وإبراز الإرث اللبناني أمام الجمهور الأوروبي.
كما يُتوقع أن يسهم المعرض في تنشيط السياحة الثقافية، عبر جذب الزوار الفرنسيين والأوروبيين لاكتشاف جبيل، المدينة التي لا تزال تحتفظ بسحرها التاريخي وتنوّعها الحضاري.
نحو إعادة اكتشاف الهوية
في زمن تتسارع فيه التحولات، يشكّل هذا المعرض دعوة لإعادة اكتشاف الجذور، والاعتزاز بالهوية الثقافية. فجبيل ليست مجرد موقع أثري، بل هي قصة حضارة مستمرة، تُروى اليوم من جديد في قلب باريس، لتذكّر العالم بأن التاريخ لا يزال حيًا في تفاصيل الحاضر.

