مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 2027، بدأت ملامح السباق إلى قصر الإليزيه تتضح تدريجياً، في وقت يزداد فيه التنافس داخل مختلف المعسكرات السياسية، بينما يحافظ اليمين المتطرف على موقع متقدم في استطلاعات الرأي.
لم يعد الاستحقاق الرئاسي الفرنسي بعيداً عن حسابات الأحزاب والشخصيات السياسية. فقبل نحو عام من الانتخابات، بدأت الشخصيات الطامحة إلى خلافة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي لا يستطيع الترشح لولاية ثالثة متتالية، في التحرك بشكل أكثر وضوحاً.
وتشير استطلاعات حديثة إلى تقدم التجمع الوطني (RN)، مع بروز اسمَي جوردان بارديلا ومارين لوبان في مقدمة المشهد الانتخابي. وفي استطلاع حديث لباروميتر Cluster17، تقاسمت لوبان وبارديلا صدارة مؤشر شعبية الشخصيات السياسية بنسبة 37% لكل منهما.
بارديلا ولوبان في صدارة اليمين
يبدو أن المعركة داخل التجمع الوطني ستظل واحدة من أهم عناصر انتخابات 2027. فمارين لوبان لا تزال من أبرز الشخصيات السياسية في فرنسا، بينما يواصل جوردان بارديلا تعزيز حضوره، خصوصاً لدى الناخبين الذين يبحثون عن بديل للطبقة السياسية التقليدية.
وتظهر استطلاعات النوايا الانتخابية أن مرشح التجمع الوطني يأتي في صدارة الجولة الأولى في عدد من السيناريوهات. وفي استطلاع حديث لـToluna Harris Interactive لصالح RTL وM6، حصل بارديلا على نحو 34 إلى 35% في السيناريوهات التي شملته، متقدماً بفارق واضح عن منافسيه.
لكن هذه النتائج لا تعني أن نتيجة الانتخابات محسومة، إذ لا تزال الحملة الانتخابية طويلة، كما أن المرشحين والتحالفات النهائية لم تتحدد بشكل كامل.
معركة داخل الوسط
في المعسكر الوسطي، يبرز اسم رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لمنافسة التجمع الوطني.
كما يبقى غابرييل أتال ووزير الداخلية السابق برونو ريتايو ضمن الأسماء التي تدور حولها المنافسة على تمثيل اليمين والوسط.
وتظهر استطلاعات الرأي الحالية أن فيليب يتمتع بموقع متقدم بين الشخصيات غير المنتمية إلى التجمع الوطني. وفي بعض السيناريوهات، يحصل على نتيجة أفضل من أتال، ما يجعله أحد أبرز الأسماء القادرة على الوصول إلى الجولة الثانية.
اليسار أمام معركة صعبة
على الجانب الآخر، تبدو الساحة اليسارية أكثر انقساماً.
فقد أعلن جان-لوك ميلانشون ترشحه للانتخابات، بينما يحاول رافاييل غلوكسمان، زعيم حزب Place publique، ترسيخ موقعه كأحد أبرز وجوه اليسار المعتدل.
وتدور بين الطرفين منافسة واضحة على قيادة اليسار، في وقت يرى فيه مراقبون أن تعدد المرشحين قد يصعّب وصول أي شخصية يسارية إلى الجولة الثانية.
وفي استطلاع حديث، جاء ميلانشون وغلوكسمان في نطاق متقارب في بعض السيناريوهات، بينما بقي مرشح التجمع الوطني متقدماً بفارق كبير.
«الخبرة» شعار المرحلة الجديدة
ومن المفارقات أن انتخابات 2027 تبدو مختلفة عن انتخابات 2017 التي أوصلت ماكرون إلى الإليزيه.
ففي ذلك الوقت، كان غياب الخبرة الانتخابية التقليدية يُقدَّم باعتباره ميزة لدى ماكرون. أما اليوم، فتظهر مؤشرات على عودة الخبرة السياسية والإدارية كعنصر أساسي في خطاب عدد من المرشحين.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن شخصيات مثل إدوار فيليب وغابرييل أتال وبرنار كازينوف وفرنسوا هولاند تحاول تقديم خبرتها السياسية كعامل يمنحها القدرة على قيادة البلاد في مرحلة اقتصادية ودولية صعبة.
ما القضايا التي ستحدد التصويت؟
لن يكون الصراع الانتخابي مجرد منافسة بين أسماء سياسية، بل ستلعب القضايا الاقتصادية والاجتماعية دوراً مركزياً.
وتظهر استطلاعات الرأي أن القدرة الشرائية تأتي في مقدمة اهتمامات الناخبين، تليها الصحة والهجرة والضرائب والأمن والتقاعد والعجز العام.
ومن المتوقع أن تتحول هذه الملفات إلى محور رئيسي في الحملات الانتخابية، إلى جانب الهجرة والأمن والسياسة الخارجية ومستقبل فرنسا داخل الاتحاد الأوروبي.
سباق مفتوح رغم تقدم اليمين
رغم التقدم الواضح الذي يسجله التجمع الوطني في استطلاعات الجولة الأولى، فإن الطريق إلى الإليزيه لا يزال مفتوحاً.
فالانتخابات الرئاسية الفرنسية تجري على جولتين، وما يهم في النهاية هو قدرة المرشح على تجاوز الجولة الأولى ثم بناء تحالفات وأصوات جديدة في الجولة الثانية.
ولهذا، فإن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد المرشح القادر على مواجهة التجمع الوطني، خصوصاً مع استمرار البحث عن مرشح موحد في الوسط واليمين التقليدي واليسار.
وبينما يقترب موعد انتخابات 2027، يبدو أن فرنسا تدخل بالفعل مرحلة ما بعد ماكرون السياسية، لكن السؤال الأكبر يبقى: من سيتمكن من ملء الفراغ الذي سيتركه الرئيس الحالي في قصر الإليزيه؟


